الياس شوفاني

70

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

عظمتها . وكان أحمس الأول ، مؤسس السلالة 18 ، هو الذي قضى على إمبراطورية الهكسوس ، واحتل عاصمتهم أفاريس . ومن ثمّ طاردهم إلى جنوب فلسطين وحاصر القلعة الحصينة شاروحين مدة ثلاث سنوات ، واحتلها ودمرها . وبذلك أسس رأس جسر على الساحل الفلسطيني ، قاعدته في مدينة غزة . وما كان لأحمس أن يبادر إلى هذه السياسة الجديدة ، وبالتالي ينخرط في الصراعات الدائرة في غرب آسيا ، لولا شعوره بالخطر الذي يتهدد مصر من الشمال الشرقي ، سواء من فلسطين ، أو من ورائها . وإذ لم يكن مستبعدا أن يعود الهكسوس لغزو مصر ، فقد برزت أيضا قوتان إلى الشمال من الهلال الخصيب ، راحتا تضغطان جنوبا في اتجاه شمالي سورية والعراق . فبينما بدأ الحثيون يتحركون من أواسط أناضوليا في اتجاه الممالك العمورية في شمال سورية ، راح الحوريون ، من جبال زاغروس ، يضغطون على أشور في شمال العراق . ومثل هذه التطورات ما كانت لتغيب عن أذهان حكام مصر الذين تخلصوا لتوّهم من حكم الهكسوس . عشية طرد الهكسوس من مصر ، برز الحثيون في أواسط الأناضول ، وتمدّدوا جنوبا في اتجاه شمال سورية ، فدمروا الالاخ ، وكذلك أرشو ( شمال كركميش ) ، ومن ثمّ هاجموا يمحاض ( حلب ) وخربوها . ثم ما لبثوا أن أغاروا على بابل وقضوا على ملكها . ولأسباب داخلية تراجعوا وانشغلوا في صراعاتهم بشأن السلطة . وبذلك فتحوا الباب أمام الكاشيين ( الكوشيين ) لقطف ثمار حملتهم على بابل ، وكذلك الحوريين للتمدد في شمال سورية ، ومنها إلى فلسطين . فالحوريون ، الذين أقاموا مملكة ميتاني ( 1550 - 1120 ق . م . ) توسعوا غربا إلى كركميش وحلب والالاخ ، ثم جنوبا إلى قطنا وقادش . ويعتقد أنهم الذين قضوا على مملكة حاصور القوية في شمال فلسطين . ولعل نشاط الحوريين هو الذي حرّك الفرعون العظيم تحتمس الأول ( 1535 - 1510 ق . م . ) ، للقيام بحملته الشهيرة إلى فلسطين وسورية ، وصولا إلى الفرات الأعلى . وتفيد المسلّة التي أقامها على الجانب الأيسر من الفرات ، أنه اصطدم بالحوريين وهزمهم ، إلّا إنه لم يقض عليهم . وعلى الرغم من الانتصارات التي حققها ، أو ادّعاها ، في حملته هذه ، فقد ظلت محدودة الأثر ، ولم تنه الوضع في سورية وفلسطين لمصلحة مصر . وعلى العكس ، فبعد عودة الفرعون من حملته ، وبروز مشكلات داخلية في مصر ، عادت ميتاني لتمارس نشاطها في بلاد الشام والعراق ، وتصبح المنافس الرئيسي لمصر بشأن النفوذ في غرب آسيا . وفقط عندما استتب الحكم في مصر ، وتسلم زمام السلطة تحتمس الثالث ( 1501 - 1447 ق . م . ) ، تجددت الحملات المصرية على فلسطين وسورية . ولعل