الياس شوفاني

68

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

وبعد طرد الهكسوس من مصر ( منتصف القرن السادس عشر قبل الميلاد ) ، ومطاردتهم حتى مدينة شاروحين ( تل الفارعة الجنوبي ) ، وبالتالي وقوع جنوب فلسطين تحت النفوذ المصري ، فإن الوضع لم يتغير بصورة جذرية ، إذ إن المصريين لم يستبدلوا السكان ، بل اكتفوا بضمان السيطرة عليهم . ومن هنا ، فالكنعانيون ، الذين تربطهم صلات عرقية وحضارية ولغوية ، مع الممالك السورية ، التي بدورها أقامت صلات وثيقة مع العراق ، شكلوا حلقة وصل ، أو فصل ، بين المركزين الحضاريين - مصر والعراق - وأدّوا دورا مهما في العلاقات بينهما ، سلبا أو إيجابا ، تبادلا حضاريا ، أو صراعا سياسيا ، بكل ما نجم عن ذلك من تاريخ مشترك . وفي هذا الإطار ، واستنادا إلى الخلفية السياسية لقيام إمبراطورية الهكسوس وسقوطها ، وإلى أرضية العلاقات الدولية التي تبلورت نتيجة قيام الممالك والإمبراطوريات في الشرق الأدنى القديم ، أدّى الموقع الجغرافي لفلسطين دورا حاسما في صوغ تاريخها في هذه المرحلة . لقد تعلم المصريون درسا مفاده أن خط الدفاع الأول عن الدلتا هو فلسطين ، على الأقل جنوبها . لكنهم لم يعمدوا إلى الاستيطان فيها ، بل اكتفوا بتعيين مندوبين لهم ، تدعمهم قوة عسكرية محدودة ، لضبط حركة الحكام المحليين ، الأمر الذي أدّى إلى تنشيط الحركة التجارية بين مصر وسورية والعراق عبر المدن الكنعانية الواقعة على الطرق الدولية . فغداة طرد الهكسوس أصبحت مصر تنظر إلى غرب آسيا نظرة جديدة ، وخصوصا لأهميتها الاستراتيجية في ضوء التطورات الجارية إلى الشمال - بروز دولة ميتاني ( الكوشية ) ، وإمكان تهديد مصر مرة أخرى على غرار ما فعل الهكسوس . وإذ كان الهمّ في البداية دفاعيا ، وبالتالي اتخذ صيغة الحملات التأديبية ، فسرعان ما تحوّل إلى سياسة هجومية ، ترمي إلى فرض السيادة الدائمة ، بما يعنيه ذلك من الحضور السياسي والعسكري الثابت . ومنذ البداية ، وعى المصريون أن السيطرة على أرض - كنعان لا تستتب عبر تغيير حكام المدن فيها ، فأبقوا عليهم ، ووضعوا لأنفسهم سياسة ، تجمع بين الترهيب العسكري والترغيب الاقتصادي ، للحفاظ على سلطتهم فيها . والحروب التي شنها فراعنة السلالة الثامنة عشرة ( 1570 - 1310 ق . م . ) ، أكان ذلك في النوبة جنوبا أو أرض - كنعان شمالا ، قد بدأت عصرا جديدا في مصر ، هو عصر الإمبراطورية . ففي السابق ، ومنذ تأسيس الفرعونية ، كانت لمصر مناطق نفوذ ، سواء في الجنوب - النوبة - أو في الشمال الشرقي - غرب آسيا - ولكن هذه المناطق لم تضم ، أو يجري استيطانها مصريا . أمّا الآن ، فقد دخلت مصر على سكة