الياس شوفاني
382
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
فأكدت في تقريرها أن الاضطرابات كانت نتيجة حالة التوتر التي تسود الجماهير العربية ، جرّاء سياسة تهويد فلسطين التي تتبعها سلطات الاحتلال البريطاني . وبعد انسحاب القوات البريطانية من سورية الشمالية ، وقبل انتشار القوات الفرنسية في جميع أنحائها ( 1919 م ) ، قامت مجموعات عربية مسلحة بمهاجمة المستعمرات اليهودية في منطقتي طبرية والجليل الأعلى . وقد تصاعدت هذه الهجمات على المستعمرات الأربع التي أقيمت في الطرف الشمالي من سهل الحولة ( إصبع الجليل ) ، وهي : المطلة وكفار غلعادي وتل - حاي وحمّارة ( المحمّرة ) . وتولى قيادة الدفاع عنها جوزف ترومبلدور . ولكن هذا الدفاع لم يصمد أمام الهجمات العربية المتوالية ، فراحت المستعمرات تسقط ، الواحدة تلو الأخرى . وبداية أخليت حمارة ( 1 كانون الثاني / يناير 1920 م ) ، وأحرقت . ثمّ تبعتها المطلة ( منتصف كانون الثاني / يناير 1920 ) ، فعاد إليها أصحابها السابقون من السكان المحليين . ووقعت معركة تل - حاي الحاسمة في آذار / مارس 1920 م ، إذ قتل ترومبلدور ، وهرب بقية المدافعين عن كفار غلعادي ( 3 آذار / مارس 1920 ) . وقد لجأ هؤلاء إلى الطيبة ( جنوب لبنان ) ، حيث جمعهم كامل بك الأسعد ، ونقلهم إلى صيدا ، ومنها إلى حيفا . وبذلك ، ولفترة وجيزة جرت تصفية الاستيطان الصهيوني في شمالي سهل الحولة ، لأنه وقع خارج منطقة الحماية البريطانية الفعلية . لكن هذه المقاومة العربية لم تزحزح بريطانيا عن موقفها من وعد بلفور . وعندما حذرت الإدارة العسكرية في فلسطين من مغبة الإيغال في دعم المشروع الصهيوني ، لما قد يجرّه ذلك من عنف دموي ، عمدت حكومة لندن إلى استبدالها بأخرى مدنية ، برئاسة هربرت سامويل ، كمندوب سام ، وهو المعروف بصهيونيته ، حتى عندما كان عضوا في الحكومة سنة 1916 م . وفي كتاب التعيين جعلت تلك الحكومة تجسيد وعد بلفور عنصرا أساسيا في مهمات الإدارة الجديدة . وصدرت أحكام بحق موسى كاظم الحسيني ، فنحّي عن رئاسة البلدية ، وحل محله راغب النشاشيبي ، الذي فتح بذلك ثغرة في الصف الفلسطيني . وكذلك حكم بالسجن على كل من الحاج أمين الحسيني وعارف العارف ، ففرّا إلى شرق الأردن ، إذ كان مشايخ القبائل يدعمون النضال الفلسطيني . وحكم بالسجن كذلك على زئيف جابوتنسكي . وعلى الرغم من أصوات الاعتراض البريطانية أيضا ، وحتى اليهودية ، في بريطانيا والولايات المتحدة ، ضد تعيين سامويل مندوبا ساميا ، فقد أصرّت حكومة لندن على ذلك . وكان هذا التعيين بداية مرحلة جديدة في الصراع العربي - الصهيوني تحت الانتداب البريطاني .