الياس شوفاني

383

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

خامسا : الانتداب يرعى الاستيطان كان تعيين هربرت سامويل مندوبا ساميا على فلسطين ، بمثابة رسالة صريحة من حكومة لندن إلى الأطراف المعنية جميعها ، تؤكد التزامها بوعد بلفور ، وإصرارها على تنفيذه . وإزاء المقاومة العربية لهذه السياسة ، من جهة ، وتردد الإدارة العسكرية في تجسيدها ، اقتناعا بعدم جدواها ، من جهة أخرى ، عمدت الحكومة البريطانية إلى تجاهل حقوق الفلسطينيين . فبادرت إلى اتخاذ إجراءات من شأنها تعزيز الاستيطان الصهيوني ، وتغييب سكان البلد الأصليين ، عبر الانتداب الذي لم يكن قد أقرّ بعد في عصبة الأمم . وفي مذكرة بعث بها بلفور إلى اللورد كيرزون ( وزير الخارجية ) في 11 آب / أغسطس 1919 م ، في أثناء مناقشة التعهدات البريطانية المتضاربة خلال الحرب ، وبروز اعتراضات قوية عليها داخل الحكومة والبرلمان ، قال : « إن التناقض بين نصوص العهد وسياسة الحلفاء صارخ بدرجة أكبر في حالة ( أمة فلسطين المستقلة ) ، عنه في حالة ( أمة سورية المستقلة ) ، فنحن لا ننوي في حالة فلسطين حتى أن نقوم بشكليات استقصاء رغبات سكان البلد الحاليين ، وإن كانت اللجنة الأميركية تقوم بشكليات الاستفسار عن هذه الرغبات . » « 13 » ومضى بلفور يقول في مذكرته : « إن الدول الكبرى الأربع ملتزمة بالصهيونية . والصهيونية ، سواء أكانت صائبة أو خاطئة ، حسنة أم سيئة ، تضرب بجذورها في عادات قديمة قدم الدهر ، وفي الحاجات الحالية ، وفي الآمال المقبلة ، وهي أكبر أهمية بكثير من رغبات وتحاملات السبعمئة ألف عربي الذين يقطنون الآن تلك الأرض القديمة . . . وأيّا كان مستقبل فلسطين ، فهي ليست الآن ( أمة مستقلة ) ، وليست في سبيلها لأن تصبح كذلك . ومهما كان ينبغي مراعاة رأي الذين يعيشون هناك ، فإن الدول الكبرى لا تنوي ، على حد فهمي للأمر ، أن تستشيرهم لدى قيامها باختيار الدولة المنتدبة . وخلاصة القول إن الدول الكبرى لم تصدر فيما يتعلق بفلسطين أي بيان وقائعي ليس خاطئا باعترافها ، ولا بيان سياسي إلّا وهي تعتزم دائما على الأقل بالمعنى الحرفي ، أن تنتهكه . » « 14 » وفي الواقع ، فإن الدول الكبرى لم تحترم العهود التي قطعتها على نفسها في أثناء الحرب ، ما عدا التزامها تجاه الصهيونية ، الذي جرى تعزيزه وإعطاؤه الأولوية .

--> ( 13 ) الأمم المتحدة ، « منشأ القضية الفلسطينية وتطورها ، 1917 - 1988 » ( نيويورك ، 1990 ) ، ص 33 - 34 . ( 14 ) المصدر نفسه .