الياس شوفاني
287
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
لأنه الحلقة التي تربط الواقع الملموس بالماضي ، وبالتالي القادر على وصله بالمستقبل . ومن هنا ، وباستعمال أداة قياس من الماضي ، يجب تطهير الحاضر من الشوائب ، ليكون المستقبل مزدهرا كما في الماضي . وبناء عليه ، ضرورة العودة إلى التراث ، واستخلاص العبر منه ، ليمكن النهوض بالحاضر لمواجهة الخطر الأوروبي . وشأنهم شأن المحافظين ، كان الإصلاحيون يعارضون المؤثرات الأوروبية الخارجية ، ويهدفون من نشاطهم إلى حماية الإسلام ودولته ومؤسساته ، ويرفضون الواقع الذي آلت إليه شؤون « الأمة » الإسلامية . ولكنهم على عكس المحافظين ، رأوا أن العلاج يتطلب الخروج من النهج التقليدي في رؤية القضايا والتعامل معها ، وبالتالي فتح باب الاجتهاد لما يجب عمله ، بينما أداة القياس هي « مصلحة الأمة » . وتمحورت نقاشات رموز هذا التيار في الدين والسياسة ، والهدف المركزي لنشاطهم ، الفكري والعملي ، هو إحياء الإسلام ودولته . وينجم عن ذلك مواجهة الغرب ، بما تنطوي عليه من ضرورة تقوية الأواصر بين الشعوب الإسلامية ، وصولا إلى وحدة « الأمة » . وفي الواقع ، وبسبب عقلانيته ، أصاب هذا التيار نجاحا أكبر من المحافظين . وبرز فيه جمال الدين الأفغاني ( 1839 - 1897 م ) ، وتلميذه محمد عبده ( 1849 - 1905 م ) في مصر . أمّا في سورية فقد برز الشيخ طاهر الجزائري ( 1851 - 1920 م ) . وتتلمذ على أيدي هؤلاء وغيرهم عدد كبير من علماء الدين الإصلاحيين ، كما كان لهم أتباع من أوساط واسعة خارج إطار المؤسسات الدينية . وفي مقابل هذين التيارين - المحافظ والإصلاحي - راح يتبلور تيار أكثر جذرية ، من مثقفين علمانيين ، يحملون نظرة مستقبلية ، معزولة تقريبا عن الماضي . ورفض هؤلاء الواقع القائم ، أسوة بالآخرين ، لكنهم افترقوا عنهم بمنظورهم القائل إن علاج الأوضاع المتردية في الشرق ، يكمن في تبني الأفكار ومناهج العمل الأوروبية . وفي هذا التيار العام ، ظهرت مدارس متعددة بهذه النسبة أو تلك . وكان أبرزها اثنتان بصورة عامة : الأولى ، وأعضاؤها في الأغلب من أبناء الطوائف المسيحية ، اندفعت أكثر نحو التماهي مع الحضارة الأوروبية ، بأفكارها وأنماط عملها ، والثانية ، وأعضاؤها على العموم من المسلمين الذين تثقفوا بالغرب ، أرادت الاقتباس من هذا الغرب قدر الإمكان ، ولكن مع الحفاظ على الهوية الذاتية والتمايز عنه . وإذ راحت الفجوة تتسع بين هاتين المدرستين في نهاية القرن التاسع عشر ، فإنها عادت وتقلصت عشية الحرب العالمية الأولى ، عندما شارك أفراد هاتين المدرستين في الجمعيات السياسية السرية ، التي تشكلت حول شعارات وطنية ، تنادي بالاستقلال