الياس شوفاني
270
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
سابق عهده ، أي إلى ما قبل الحملة المصرية عليها ، زادت الدول الأوروبية نفوذها ، ليس في هذه البلاد فحسب ، بل في أراضي السلطنة العثمانية بصورة عامة . وبينما لم تترسخ إجراءات إبراهيم باشا ، لم تفلح السلطة العثمانية في إحكام قبضتها على نواحي البلاد جميعها . وعادت منطقة الجبال الوسطى إلى النزاعات العشائرية ، وإلى الصراعات القبلية ، بين القيسية واليمينة ، وإلى تصفية الحسابات القديمة ، الأمر الذي أدّى إلى اضطراب حالة الأمن . وعاد الشيخ أبو غوش ، الذي تزعم العصبية اليمنية إلى فرض سلطته على طريق يافا - القدس ، وجباية الضرائب من المسافرين عليها . واضطر العثمانيون إلى الاعتراف ببعض زعماء العشائر حكاما في مناطقهم ، الأمر الذي استثار آخرين ، وبالتالي إلى نشوب الصراعات بينهم بصورة متواترة . وقد استغلت السلطة هذه الصراعات لإضعاف الجميع ، تعويضا عن تقصيرها في فرض هيبتها عليهم وإحكام قبضتها على مناطقهم . ولدى استعادته بلاد الشام ، لم يعد الباب العالي إلى نظام حكم الباشوات السابق فيها ، وإنما نزع عنها الصفة شبه المستقلة التي كانت لها في الماضي ، وألحقها بالمركز مباشرة . ومنذ البداية أقيمت الإدارة الجديدة على أساس المركزية الشديدة والتتريك ، فاستبدل الموظفون المحليون بآخرين أتراك ، وفي جميع المناصب ذات الأهمية . واعتمد الباب العالي أسلوب نقل الموظفين سنة بعد أخرى ، ومن مهمة إلى غيرها . وسحب من الموظفين الحق في إصدار عقوبة الإعدام ، وأخضعهم للرقابة والمحاسبة على سوء استعمال السلطة . وإذ استقرت الأوضاع نسبيا في الساحل والشمال ، فقد ظلت منطقة الجبال الوسطى مضطربة ، وعمد العثمانيون ( 1854 م ) إلى جعل القدس ولاية مستقلة ، تابعة لإستنبول مباشرة ، في محاولة للسيطرة على الوضع الأمني فيها ، من جهة ، ولمراقبة نشاط القنصليات الأجنبية ، من جهة أخرى . وألحق بهذه الولاية سنجقا نابلس وغزة . واستطاع الوالي مصطفى ثريا أن يوطد الأمن ، ويحول دون اندلاع الاقتتال الطائفي في القدس ومحيطها ، أسوة بما جرى في لبنان ودمشق ( 1860 م ) . وفي إطار التنظيمات الإدارية التي أدخلتها السلطنة في هذه الفترة ، صدر قانون تشكيل الولايات ( 1864 م ) ، الذي وضع إطارا موحدا للإدارة في الولايات كلها . وبموجبه قسمت بلاد الشام إلى ولايتين : سورية وحلب . وكل ولاية قسمت إلى متصرفيات ( سناجق ) ؛ والمتصرفيات إلى قائمقاميات ( أقضية ) ؛ والأقضية إلى مديريات ( نواح ) . وعيّن على كل وحدة إدارية موظف تركي ، يتبع الأعلى منه بحسب التسلسل والاختصاص : مدير - قائمقام - متصرف - والي . وأصبح الوالي يتبع وزارة الداخلية