الياس شوفاني
269
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
ابنه عبد المجيد مكانه ، صدر « فرمان التنظيمات » الشهير باسم « خط شريف جولخانه » . وكان ذلك بعد هزيمة الجيش العثماني على يد إبراهيم باشا ، وتدخل الدول الأوروبية لفرض الانسحاب على الجيش المصري . وكان هذا الفرمان يهدف إلى انتشال السلطنة من أوضاعها المتردية والحفاظ على تماسكها ، من جهة ، واكتساب عطف الدول الأوروبية ، عبر نشر المساواة بين شعوب السلطنة ، من جهة أخرى . وقد تضمن الفرمان إصلاحات في ثلاث نواح أساسية : 1 ) إدارة الدولة وتحديث جهاز الحكومة ؛ 2 ) تحسين أحوال رعايا السلطان ؛ 3 ) تسوية أوضاع المواطنين غير المسلمين في أراضي السلطنة . وإذ أعلن الفرمان عزم الحكومة على صيانة أمن المواطنين ، وحماية أرواحهم وممتلكاتهم وكرامتهم ، وتوخي العدالة في فرض الضرائب والتجنيد ، فقد تطرق إلى الإجراءات الإدارية الجديدة وتطوير جهاز الدولة . لكن التركيز كان على مساواة المواطنين جميعهم أمام القانون ، الأمر الذي يعني التخلي عن الشريعة الإسلامية كأساس للتشريع وللقضاء . وتوالى بعد هذا الفرمان صدور قوانين متعددة : الجنائي والتجاري وملكية الأرض . . . إلخ . لكن هذه الإصلاحات قوبلت بمعارضة شديدة من قبل الأوساط التقليدية والمحافظة في السلطنة ، وخصوصا في العاصمة . وكان تطبيق هذه الإصلاحات ينطوي على صراعات في إستنبول ، ولذلك تعرقل تنفيذها . ومرة أخرى كانت الأولوية للولايات الأوروبية وآسيا الصغرى ، فتأخرت في بلاد الشام . وزاد في تعقيد الأمور توالي الأزمات الاقتصادية والمالية التي انتابت السلطنة ، وبالتالي تزايد تدخل دول أوروبا في شؤونها الداخلية ، الأمر الذي زاد في حدة ردات فعل الأوساط المحافظة ضد التنظيمات ، ذات الطابع الغربي . وفي الواقع ، جرّت تلك التنظيمات أعمال عنف ضد الأقليات الدينية ( دمشق ولبنان 1860 م ) ، كما حفزت محاولات على اغتيال السلطان عبد المجيد نفسه . واضطرب حبل الأمن في العاصمة ، عبر مؤامرات شارك فيها ضباط كبار في الجيش بالتحالف مع العلماء . وما كادت السلطنة تخرج من موجة الاضطراب حتى مات السلطان عبد المجيد ( 1861 م ) ، وتولى مكانه أخوه عبد العزيز ، الذي عرف بعناده ومزاجه المتقلب وعدائه للإصلاحات . فتوقفت التنظيمات ، وتردت الأوضاع في السلطنة عامة ، وخصوصا نتيجة ردات فعل دول أوروبا الدائبة على إبطالها . فبعد الانسحاب المصري ، عادت بلاد الشام إلى الحكم العثماني بفضل تدخل الدول الأوروبية ، وفي مقدمتها بريطانيا . وبقدر تأثيرها في فرض الانسحاب على محمد علي ، وإلزامه بالانسحاب إلى مصر ، وبالتالي إعادة الوضع في بلاد الشام إلى