الياس شوفاني

268

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

المركزية تقبل بالواقع مرحليا ، حتى تحين الفرصة للانقضاض على الخارجين عليها . وقد ظل هؤلاء الباشوات خاضعين للسيادة العثمانية ، ما دامت هيبة السلطنة تفرض ذلك . وعندما بدأت تلك الهيبة تتراجع ، راح الباشوات يعززون مواقعهم ، ويفرضون استقلالهم الذاتي في ولاياتهم . وتفاقمت هذه الظاهرة في القرن الثامن عشر ، حيث برز آل العظم في سورية ، وظاهر العمر ، ومن بعده الجزار ، ثم سليمان وعبد اللّه ، في فلسطين ( ولاية صيدا ) ، وكذلك كان حال الأمراء المعنيين ، ومن بعدهم الشهابيون في لبنان . وقد استطاع هؤلاء أن يفرضوا سيطرتهم على مناطقهم ، ويحافظوا على درجة من الاستقرار فيها ، وحتى تنمية مواردها وتحقيق ازدهارها الاقتصادي . أمّا في الريف ، وعلى أطراف الصحراء ، فقد برزت قبائل بدوية قوية ، وكذلك عائلات إقطاعية كثيرة ، بسطت هيمنتها على السكان في غياب السلطة المركزية . وبعض القبائل البدوية فرض حمايته على القرى والطرق ، وجبى الأتاوات لقاء ذلك ، وحتى من السلطة نفسها ، وخصوصا لقاء حماية أو تأمين مرور قافلة الحج . وقد تميّزت منطقة الجبال الوسطى في فلسطين بشيوع هذه الظاهرة التي اصطدم بها إبراهيم باشا ، واستطاع إضعافها بعد عدد من المعارك الضارية . وكان إهمال السلطة العثمانية لولايات بلاد الشام ، والحروب المتكررة بين الباشوات فيها ، وكذلك الصراعات الدامية بين العائلات المتنفذة ، إضافة إلى أعمال النهب والتخريب التي مارستها القبائل البدوية القوية ، قد أفقرت البلاد ، وقلصت عدد سكانها . وفي فلسطين ، كان للصراعات بين الزعماء المحليين ، وخصوصا في منطقة الجبال الوسطى ، آثار سلبية كبيرة على حالة الأمن والاستقرار والأوضاع الاجتماعية عامة . وفترة الحكم المصري القصيرة ، بما جلبته من استقرار ، وما أدخلته من إصلاحات ، لم تستطع كبح هذا المسار التدميري . والثورات التي قام بها هؤلاء الزعماء المحليون ضد إبراهيم باشا ، وهزيمتهم في معارك عنيفة ، جلبت المزيد من الخراب والإفقار على السكان . في المقابل ، أعاد الحكم المصري بلاد الشام إلى بؤرة الاهتمام الأوروبي في إطار المسألة الشرقية . وبعد حفر قناة السويس ( 1869 م ) ، زاد التنافس بشأنها ، وبالتالي بشأن فلسطين لقربها منها ، وذلك بين الدول الأوروبية الرأسمالية . وقد قادت بريطانيا عملية تصعيد التنافس ، بعد أن اشترت أسهم مصر في قناة السويس ( 1875 م ) ، ومن ثمّ احتلت ذلك البلد ( 1882 م ) فأصبحت فلسطين ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إليها . وليس مصادفة أن تتواكب بداية الاستيطان الصهيوني في فلسطين مع احتلال بريطانيا لمصر . بعد فترة قصيرة من موت السلطان المصلح محمود الثاني ( 1839 م ) ، وتولي