الياس شوفاني

163

الموجز في تاريخ فلسطين السياسي

خوفا من أن يستفرد البيزنطيون بكل منهم على حدة . وبذلك تغيّرت الخطط الأولية ، إن وجدت ، وفرض سير المعارك المسارات اللاحقة . ولعل المتغيرات التي طرأت على الأرض في مسار القتال ، وما تطلّبه ذلك من تجاوز الترتيبات التي قد تكون اتخذت ، والتوجيهات التي تذكر المصادر أنها صدرت في المدينة قبل الانطلاق ، شكلت جزءا من عملية الإرباك لدى الرواة والمؤرخين التابعين . وكذلك ، فإن تشابك الأحداث وتسارعها ، في غياب الوثائق المعاصرة ، قد أدى إلى تضارب الروايات ، الأمر الذي فتح الباب أمام الرواة والمؤرخين التابعين للتعبير عن أهوائهم السياسية ، من خلال الأخذ الانتقائي عن السلف . ويكاد لا يمر حدث في هذه العملية من فتح بلاد الشام ، والتي دامت نحو خمس سنوات ، من دون أن نجد تباينا بالروايات بشأنه أكان ذلك من ناحية تاريخه ، أو دور الأشخاص فيه ، أو تفصيلاته ، كعدد المشاركين في المعركة مثلا . . . إلخ . ولكن بغض النظر عن هذه الفروق الجزئية ، فهناك إجماع على أن الصدامات الأولى بين العرب والبيزنطيين وقعت في جنوب فلسطين ، ثم انتقلت إلى شمالها ، ومنها إلى سورية - جنوبها فشمالها . وكان هذا هو مسار عملية الفتوحات بصورة عامة ، ما عدا بعض المدن التي قاومت وطال حصارها قبل أن تستسلم ، مثل قيساريا وغيرها . ومنذ البداية ، حقق العرب انتصارات مهمة في المعارك التي وقعت في فلسطين ( منطقة عمليات عمرو بن العاص ) ، لكنها لم تحسم الصراع مع البيزنطيين ، كما لم تؤدّ إلى سقوط البلد بأكمله في أيدي العرب . فالصراع بشأن بلاد الشام حسم في معركة اليرموك ( عند الواقوصة ، أو الياقوصة على نهر الرقاد في الجولان ) ، وذلك في آب / أغسطس 636 م ، إذ انهارت الجيوش البيزنطية ، وانسحبت تاركة شمال سورية مفتوحا أمام الجيوش العربية الظافرة . أمّا في فلسطين ، فبعد الصدامات الأولى بالقرب من غزة ( داثن ) ، حشد الطرفان قواتهما في أجنادين ( بالقرب من بيت جبرين ) ، ودارت معركة حقق فيها العرب نصرا كبيرا ( 633 - 634 م ) وبعد ذلك انسحب البيزنطيون إلى بيسان ( منطقة عمليات شرحبيل بن حسنة ) ، تاركين وسط فلسطين وجنوبها مفتوحا أمام الجيش العربي . ومع سقوط الريف الفلسطيني عامة في أيدي العرب بعد أجنادين ، إلّا إن المدن الكبيرة المهمة - بيت المقدس وقيساريا وعسقلان وعكا وغيرها - بقيت في أيدي البيزنطيين إلى ما بعد معركة اليرموك . وبعد أجنادين ، عمدت القوات العربية إلى تثبيت سيطرتها على الريف في فلسطين وشرق الأردن ، ثم ما لبثت ، بعد ستة أشهر ، أن هاجمت بيسان ، التي أخلتها الحامية البيزنطية ، بعد أن فتحت سدود المياه لإغراق الأرض وإعاقة تقدم العرب ،