المقريزي
544
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
بأسا ، ولا أقسى قلبا ولا أكثر عنتا . فلقي العمّال منه مشقّات لا توصف ، وجاء مناسبا لمولاه . وحمل مع هذا إلى هذه العمارة سائر ما يحتاج إليه من الأمتعة وأصناف الآلات ، وأنواع الاحتياجات من الحجر والخشب والرّخام والدّهان وغيره ، من غير أن يدفع في شيء منه ثمنا ألبتّة ، وإنّما كان يأخذ ذلك إمّا بطريق الغصب من الناس ، أو على سبيل الخيانة من عمائر السّلطان ، فإنّه كان من جملة ما بيده شدّ العمائر السّلطانية . وناسب هذه الأفعال أنّه ما عرف عنه قطّ أنّه نزل إلى هذه العمارة إلّا وضرب فيها من الصّنّاع عدّة ضربا مؤلما ، فيصير ذلك الضّرب زيادة على عمله بغير أجرة ، فيقال فيه : كملت خصالك هذه بقماري . فلمّا فرغ من بنائها ، جمع فيها سائر الفقهاء وجميع القضاة . وكان الشّريف شرف الدّين عليّ بن شهاب الدّين الحسين بن محمد بن الحسين - نقيب الأشراف ومحتسب القاهرة حينئذ - يؤمّل أن يكون مدرّسها ، وسعى عنده في ذلك ، فعمل بسطا على قياسها بلغ ثمنها ستة آلاف درهم فضّة ، ورشاه بها ففرشت هناك . ولمّا تكامل حضور الناس بالمدرسة - وفي الذّهن أنّ الشّريف يلي التّدريس ، وعرف أنّه هو الذي أحضر البسط التي قد فرشت - قال الأمير آقبغا لمن حضر : لا أولّي في هذه الأيّام أحدا ، وقام فتفرّق الناس . وقرّر فيها درسا للشّافعيّة ولي تدريسه « a » ودرسا للحنفيّة ولي تدريسه « a » ، وجعل فيها عدّة من الصّوفية ولهم شيخ ، وقرّر بها طائفة من القرّاء يقرأون القرآن بشبّاكها ، وجعل لها إماما راتبا ومؤذّنا وفراشين وقومة ومباشرين ، وجعل النظر للقاضي الشّافعي بديار مصر ، وشرط في كتاب وقفه أن لا « b » يلي النظر أحد من ذرّيته ، ووقف على هذه الجهات حوانيت خارج باب زويله بخطّ تحت الرّبع ، وقرية بالوجه القبلي . وهذه المدرسة عامرة إلى يومنا هذا ، إلّا أنّه تعطّل منها الميضأة ، وأضيفت إلى ميضأة الجامع لتغلّب بعض الأمراء - بمواطأة بعض النظّار - على بئر السّاقية التي كانت برسمها . آقبغا عبد الواحد الأمير علاء الدّين « 1 » - أحضره إلى القاهرة التاجر عبد الواحد بن بدال ، فاشتراه منه الملك الناصر محمد بن قلاوون ولقّبه باسم تاجره الذي أحضره ، فحظي عنده وعمله شادّ العمائر ، فنهض فيها نهضة أعجبت به السّلطان وعظّمه حتى
--> ( a ) بياض في آياصوفيا وميونخ . ( b ) بولاق : ألّا . ( 1 ) انظر ترجمة الأمير آقبغا عبد الواحد كذلك عند ، الصفدي : أعيان العصر 1 : 548 - 549 ؛ ابن حجر : الدرر -