المقريزي

1072

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فما هو إلّا أن نزل من القلعة ، وإذا بالعامّة قد أمسكوا نصرانيّا ، وجد في جامع الظّاهر ومعه خرق على هيئة الكعكة في داخلها قطران ونفط ، وقد ألقى منها واحدة بجانب المنبر ، وما زال واقفا إلى أن خرج الدّخان ، فمشى يريد الخروج من الجامع . وكان قد فطن به شخص ، وتأمّله من حيث لم يشعر به النصراني ، فقبض عليه ، وتكاثر الناس فجرّوه إلى بيت الوالي ، وهو بهيئة المسلمين ، فعوقب عند الأمير ركن الدّين بيبرس الحاجب . فاعترف بأنّ جماعة من النصارى قد اجتمعوا على عمل نفط وتفريقه مع جماعة من أتباعهم ، وأنّه ممّن أعطي ذلك ، وأمر بوضعه عند منبر جامع الظّاهر . ثم أمر بالرّاهبين فعوقبا ، فاعترفا / أنّهما من سكّان دير البغل ، وأنّهما هما اللذان أحرقا المواضع التي تقدّم ذكرها بالقاهرة ، غيرة وحنقا من المسلمين لما كان من هدمهم الكنائس ، وأنّ طائفة النصارى تجمّعوا ، وأخرجوا من بينهم مالا جزيلا لعمل هذا النفط . واتّفق وصول كريم الدّين ناظر الخاصّ من الإسكندرية ، فعرّفه السّلطان ما وقع من القبض على النصارى ، فقال : النصارى لهم بطرك يرجعون إليه ، ويعرف أحوالهم . فرسم السّلطان بطلب البطرك عند كريم الدّين ، ليتحدّث معه في أمر الحريق ، وما ذكره النصارى من قيامهم في ذلك ، فجاء في حماية والي القاهرة ، في الليل خوفا من العامّة . فلمّا أن دخل بيت كريم الدّين بحارة الدّيلم ، وأحضر إليه الثّلاثة النصارى من عند الوالي ، قالوا لكريم الدّين - بحضرة البطرك والوالي - جميع ما اعترفوا به قبل ذلك . فبكى البطرك عندما سمع كلامهم ، وقال : هؤلاء سفهاء النصارى قصدوا مقابلة سفهاء المسلمين على تخريبهم الكنائس . وانصرف من عند كريم الدّين مبجّلا مكرّما ، فوجد كريم الدّين قد أقام له بغلة على بابه ليركبها ، فركبها وسار . فعظم ذلك على الناس ، وقاموا عليه يدا واحدة ، فلولا أنّ الوالي كان يسايره وإلّا هلك . وأصبح كريم الدّين يريد الرّكوب إلى القلعة على العادة ، فلمّا خرج إلى الشّارع ، صاحت به العامّة : ما يحلّ لك يا قاضي تحامي للنصارى وقد أحرقوا بيوت المسلمين ، وتركبهم بعد هذا البغال ، فشقّ عليه ما سمع ، وعظمت نكايته . واجتمع بالسّلطان ، فأخذ يهوّن أمر النصارى الممسوكين ، ويذكر أنّهم سفهاء وجهّال . فرسم السّلطان للوالي بتشديد عقوبتهم ، فنزل وعاقبهم عقوبة مؤلمة ، فاعترفوا بأنّ أربعة عشر راهبا بدير البغل قد تحالفوا على إحراق ديار المسلمين كلّها ، وفيهم راهب يصنع النفط ، وأنّهم اقتسموا القاهرة ومصر : فجعل للقاهرة ثمانية ، ولمصر ستة .