المقريزي
1073
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فكبس دير البغل ، وقبض على من فيه ، وأحرق من جماعته أربعة بشارع صليبة جامع ابن طولون في يوم الجمعة ، وقد اجتمع لمشاهدتهم عالم عظيم . فضرى من حينئذ جمهور الناس على النصارى ، وفتكوا بهم ، وصاروا يسلبون ما عليهم من الثّياب ، حتى فحش الأمر ، وتجاوزوا فيهم المقدار ، فغضب السّلطان من ذلك ، وهمّ أن يوقع بالعامّة . واتّفق أنّه ركب من القلعة يريد الميدان الكبير في يوم السبت ، فرأى من الناس أمما عظيمة قد ملأت الطرقات ، وهم يصيحون : « نصر اللّه الإسلام » ، « انصر دين محمّد بن عبد اللّه » ، فخرج من ذلك . وعندما نزل الميدان ، أحضر إليه الخازن نصرانيين قد قبض عليهما وهما يحرقان الدّور ، فأمر بتحريقهما ، فأخرجا وعمل لهما حفرة ، وأحرقا بمرأى من الناس . وبينا هم في إحراق النصرانيين إذا بديوان الأمير بكتمر السّاقي قد مرّ يريد بيت الأمير بكتمر ، وكان نصرانيّا ، فعند ما عاينه العامّة ، ألقوه عن دابّته إلى الأرض ، وجرّدوه من جميع ما عليه من الثّياب ، وحملوه ليلقوه في النار ، فصاح بالشّهادتين ، وأظهر الإسلام ، فأطلق . واتّفق مع هذا مرور كريم الدّين ، وقد لبس التّشريف من الميدان ، فرجمه من هنالك رجما متتابعا ، وصاحوا به : « كم تحامي للنصارى وتشدّ معهم » ، ولعنوه وسبّوه . فلم يجد بدّا من العود إلى السّلطان وهو بالميدان وقد اشتدّ ضجيج العامّة وصياحهم حتى سمعهم السّلطان . فلمّا دخل عليه ، وأعلمه الخبر ، امتلأ غضبا ، واستشار الأمراء - وكان بحضرته منهم الأمير جمال الدّين نائب الكرك ، والأمير سيف الدّين البوبكري ، والخطيري ، وبكتمر الحاجب في عدّة أخرى - فقال الأبو بكري : العامّة عمى ، والمصلحة أن يخرج إليهم الحاجب ، ويسألهم عن اختيارهم حتى يعلم . فكره هذا من قوله السّلطان ، وأعرض عنه . فقال نائب الكرك : كلّ هذا من أجل الكتّاب النصارى ، فإنّ الناس أبغضوهم ، والرّأي أنّ السّلطان لا يعمل في العامّة شيئا ، وإنّما يعزل النصارى من الدّيوان . فلم يعجبه هذا الرّأى أيضا ، وقال للأمير ألماس الحاجب : امض ومعك أربعة من الأمراء ، وضع السّيف في العامّة من حين تخرج من باب الميدان إلى أن تصل إلى باب زويلة ، واضرب فيهم بالسّيف من باب زويلة إلى باب النصر بحيث لا ترفع السّيف عن أحد ألبتّة . وقال لوالي القاهرة : اركب إلى باب اللوق وإلى باب البحر ، ولا تدع أحدا حتى تقبض عليه وتطلع به إلى القلعة ، ومتى لم تحضر الذين رجموا وكيلي - يعني كريم الدّين - وإلّا وحياة رأسي شنقتك عوضا عنهم ، وعيّن معه عدّة من المماليك السّلطانية .