المقريزي
996
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ثم دخل القدس - وقد تلقّاه النصارى بالأناجيل والصّلبان والبخور والشّموع المشعلة - فوجد المدينة وكنائسها وقمامتها خرابا ، فساءه ذلك وتوجّع له . وأعلمه النصارى بما كان من ثورة اليهود مع الفرس ، وإيقاعهم بالنصارى وتخريبهم الكنائس ، وأنّهم كانوا أشدّ نكاية لهم من الفرس ، وقاموا قياما كبيرا في قتلهم عن آخرهم ، وحثّوا هرقل على الوقيعة بهم ، حسّنوا له ذلك . فاحتجّ عليهم بما كان من تأمينه لهم وحلفه ، فأفتاه رهبانهم وبطاركتهم وقسّيسوهم بأنّه لا حرج عليه في قتلهم ، فإنّهم عملوا عليه حيلة حتى أمّنهم من غير أن يعلم بما كان منهم ، وأنّهم يقومون عنه بكفّارة يمينه : بأن يلتزموا ويلزموا النصارى بصوم جمعة في كلّ سنة عنه على ممرّ الزّمان والدّهور . فمال إلى قولهم ، وأوقع باليهود وقيعة شنعاء أبادهم جميعهم فيها ، حتى لم يبق في ممالك الرّوم بمصر والشّام منهم إلّا من فرّ واختفى . فكتب البطارقة والأساقفة إلى جميع البلاد بإلزام النصارى بصوم أسبوع في السنة ، فالتزموا صومه إلى اليوم ، وعرفت عندهم ب « جمعة هرقل » ، وتقدّم هرقل بعمارة الكنائس والديارات ، وأنفق فيها مالا كبيرا « 1 » . وفي أيّامه أقيم أدراسلون « a » ، بطرك اليعاقبة بالإسكندرية ، فأقام ستّ سنين ، ومات في ثامن طوبة ، فخربت الدّيارات في مدّة بطركيته « 2 » . وأقيم بعده على اليعاقبة بنيامين ، فعمّر الدّير الذي يقال له « دير أبو بشاي » و « دير سيّدة أبو بشاي » ، وهما في وادي هبيب ، فأقام تسعا وثلاثين سنة ، ملك الفرس منها مصر عشر سنين « 3 » . ثم قدم هرقل فقتل الفرس بمصر ، وأقام قيرش بطرك الإسكندرية - وكان منانيّا - وطلب بنيامين ليقتله فلم يقدر عليه لفراره منه « 4 » . وكان هرقل مارونيّا ، فظفر بمينا أخي بنيامين ، فأحرقه بالنار عداوة لليعاقبة ، وعاد إلى القسطنطينية . فأظهر اللّه دين الإسلام في أيّامه ، وخرج ملك مصر والشّام من يد النصارى ، وصار النصارى ذمّة للمسلمين . فكانت مدّة النصارى منذ رفع المسيح إلى أن فتحت مصر ، وصار النصارى من القبط ذمّة للمسلمين « b » منها مدّة كونهم تحت أيدي الرّوم يقتلونهم أبرح قتل بالصّلب والتّحريق بالنار والرّجم بالحجارة وتقطيع الأعضاء « b » ومنها مدّة استيلائهم بتنصّر الملوك « b » .
--> ( a ) كذا في النسخ ، والصواب كما في تاريخ بطاركة الكنيسة : أندرونيقوس . ( b ) بياض في الأصول . ( 1 ) سعيد بن البطريق 2 : 5 - 7 ، ونشرة Breydy 127 - 130 . ( 2 ) ساويرس بن المقفع : تاريخ بطاركة الكنيسة PO I . ( 1907 ) , pp . 484 - 86 L 2 ( 3 ) Ibid . , pp . 487 - 518 . ( 4 ) Ibid . , pp . 493 .