المقريزي
997
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ذكر دخول النصارى من قبط مصر في طاعة المسلمين وأدائهم الجزية واتّخاذهم ذمّة لهم ، وما كان في ذلك من الحوادث والأنباء اعلم أنّ أرض مصر ، لمّا دخلها المسلمون ، كانت بأجمعها مشحونة بالنصارى . وهم على قسمين متباينين في أجناسهم وعقائدهم : أحدهما : « أهل الدّولة » ، وكلّهم روم من جند صاحب القسطنطينية ملك الرّوم ، ورأيهم وديانتهم بأجمعهم « ديانة الملكيّة » ، وكانت عدّتهم تزيد على ثلاث مائة ألف رومي . والقسم الآخر « عامّة أهل مصر » - ويقال لهم « القبط » « 1 » - وأنسابهم مختلطة ، لا يكاد يتميّز منهم القبطي من الحبشي من النوبي من الإسرائيلي الأصل من غيره ، وكلّهم « يعاقبة » : فمنهم كتّاب المملكة ، ومنهم التّجّار والباعة ، ومنهم الأساقفة والقسوس ونحوهم ، ومنهم أهل الفلاحة والزّرع ، ومنهم أهل الخدمة والمهنة وبينهم وبين الملكية أهل الدّولة من العداوة ما يمنع مناكحتهم ، ويوجب قتل بعضهم بعضا ، ويبلغ عددهم عشرات آلاف كثيرة جدّا ، فإنّهم في الحقيقة أهل أرض مصر أعلاها وأسفلها « 2 » . فلمّا قدم عمرو بن العاص بجيوش المسلمين معه إلى مصر ، قاتلهم الرّوم حماية لملكهم ودفعا لهم عن بلادهم . فقاتلهم المسلمون ، وغلبوهم على الحصن كما تقدّم ذكره « 3 » . فطلب القبط من عمرو المصالحة على الجزية ، فصالحهم عليها ، وأقرّهم على ما بأيديهم من الأراضي وغيرها ، وصاروا معه عونا للمسلمين على الرّوم حتى هزمهم اللّه تعالى ، وأخرجهم من أرض مصر . وكتب عمرو لبنيامين بطرك اليعاقبة « أمانا » ، في سنة عشرين من الهجرة ، فسرّه ذلك وقدم على عمرو ، وجلس على كرسي بطركيته بعد ما غاب عنه ثلاث عشرة سنة : منها في ملك فارس لمصر عشر سنين ، وباقيها بعد قدوم هرقل إلى مصر . فغلبت اليعاقبة على كنائس مصر ودياراتها كلّها ، وانفردوا بها دون الملكيّة .
--> ( 1 ) راجع عن القبط ومدلول المصطلح A . S . Atiya , El 2 art . al - Kibt V , pp . 92 - 97 ; The Coptic Encyclopedia II , pp . 599 - 635 . ( 2 ) انظر فيما يلي 1024 . ( 3 ) فيما تقدم 2 : 10 - 24 .