المقريزي

995

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

محاربة النصارى وتخريب كنائسهم ، وأقبلوا نحو الفرس من طبريّة وجبل الجليل وقرية الناصرة ومدينة صور وبلاد المقدس ، فنالوا من النصارى كلّ منال ، وأعظموا النكاية فيهم ، وخرّبوا لهم كنيستين بالقدس « 1 » ، وحرّقوا أماكنهم ، وأخذوا قطعة من عود الصّليب ، وأسروا بطرك القدس وكثيرا من أصحابه . ثم مضى كسرى بنفسه من العراق لغزو قسطنطينيّة ، تخت ملك الرّوم ، فحاصرها أربع عشرة سنة « 2 » . وفي أيّام فوقا أقيم يوحنّا الرّحوم ، بطرك الإسكندرية ، على الملكيّة . فدبّر أرض مصر كلّها عشر سنين ، ومات بقبرس وهو فارّ من الفرس . فخلا كرسي إسكندرية من البطركية سبع سنين ، لخلوّ أرض مصر والشّام من الرّوم ، واختفى من بقي بها من النصارى خوفا من الفرس « 3 » . وقدّم اليعاقبة نسطاسيوس بطركا ، فأقام اثنتي عشرة سنة ، ومات في ثاني عشرين كيهك سنة ثلاثين وثلاث مائة لدقلطيانوس ، فاستردّ ما كانت الملكية قد استولت عليه من كنائس اليعاقبة ، ورمّ ما شعّثه الفرس منها . وكانت إقامته بمدينة الإسكندرية ، فأرسل إليه أثناسيوس بطرك أنطاكية هديّة صحبة عدّة كثيرة من الأساقفة ، ثم قدم عليه زائرا ، فتلّقاه وسرّ بقدومه ، وصارت أرض مصر في أيّامه جميعها يعاقبة لخلوّها من الرّوم . فثارت اليهود في أثناء ذلك بمدينة صور ، وراسلوا بقيّتهم في بلادهم ، وتواعدوا على الإيقاع بالنصارى وقتلهم . فكانت بينهم حرب اجتمع فيها من اليهود نحو عشرين ألفا ، وهدموا كنائس النصارى خارج صور فقوي النصارى عليهم وكاثروهم ، فانهزم اليهود هزيمة قبيحة ، وقتل منهم خلق كثير « 4 » . وكان هرقل قد ملك الرّوم بقسطنطينية ، وغلب الفرس بحيلة دبّرها على كسرى حتى رحل عنهم ، ثم سار من قسطنطينية ليمهّد ممالك الشّام ومصر ، ويجدّد ما خرّبه الفرس منها . فخرج إليه اليهود من طبريّة وغيرها ، وقدّموا له الهدايا الجليلة ، وطلبوا منه أن يؤمّنهم ، ويحلف لهم على ذلك ، فأمّنهم وحلف لهم « 5 » .

--> ( 1 ) هما : كنيسة الجسمانية ، وكنيسة إلينة . ( 2 ) ابن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 216 ، ونشرة Breydy 118 - 119 . ( 3 ) نفسه 1 : 216 - 217 ، 218 ، ونشرة Breydy 119 - 121 . ( 4 ) نفسه 1 : 218 - 219 ، ونشرة Breydy 122 . ( 5 ) نفسه 2 : 2 - 4 ، ونشرة Breydy 124 - 127 .