المقريزي

952

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

تفسير هذا « المشنا » برأيهم ، وعملوا عليه كتابا اسمه « التّلمود » أخفوا فيه كثيرا ممّا كان في ذلك « المشنا » ، وزادوا فيه أحكاما من رأيهم « 1 » . وصاروا منذ وضع هذا « التّلمود » الذي كتبوه بأيديهم ، وضمّنوه ما هو من رأيهم ، ينسبون ما فيه إلى اللّه تعالى ، ولذلك ذمّهم اللّه في القرآن الكريم بقوله تعالى : فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ [ الآية 79 سورة البقرة ] . وهذا « التّلمود » نسختان مختلفتان في الأحكام . والعمل إلى اليوم على هذا « التّلمود » عند فرقة الرّبّانيين ، بخلاف القرّائين فإنّهم لا يعتقدون العمل بما في هذا « التّلمود » . فلمّا قدم عانان رأس / الجالوت إلى العراق ، أنكر على اليهود عملهم بهذا التّلمود ، وزعم أنّ الذي بيده هو الحقّ لأنّه كتب من النسخ التي كتبت من مشنا موسى - عليه السّلام - الذي بخطّه « 2 » . والطائفة الرّبّانيّون ومن وافقهم لا يعوّلون من التّوراة التي بأيديهم إلّا على ما في هذا « التّلمود » ، وما خالف ما في « التّلمود » لا يعبأون به ولا يعوّلون عليه ، كما أخبر تعالى ، إذ يقول حكاية عنهم : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الآية 23 سورة الزخرف ] . ومن اطّلع على ما بأيديهم وما عندهم من التّوراة ، تبيّن له أنّهم ليسوا على شيء ، وأنّهم إن يتّبعون إلّا الظّنّ وما تهوى الأنفس . ولذلك لما نبغ فيهم موسى بن ميمون القرطبي عوّلوا على رأيه ، وعملوا بما في كتاب « الدّلالة » وغيره من كتبه « 3 » ، وهم على رأيه إلى زمننا .

--> ( 1 ) راجع عن « التّلمود » JEart . TalmudXII , pp . 1 - 40 . ( 2 ) فيما يلي 955 . ( 3 ) موسى بن ميمون اليهودي القرطبي Moses Ben Maymoun ، نشأ بالأندلس وقرأ بها العلوم ، وأكره مع آخرين على الإسلام ، فأظهره وأسرّ اليهودية إلى أن أمكنته الفرصة في الرّحلة فخرج عن الأندلس إلى مصر ، زمن الفاطميين ، ومعه أهله ونزل مدينة الفسطاط بين يهودها ، فأظهر دينه وارتزق بالتجارة في الجوهر وما يجري مجراه . وبعد سقوط الدّولة الفاطمية قرّبه القاضي الفاضل وقرّر له رزقا . ولمّا كان ابن ميمون عالما بشرائع اليهود فقد أصبح رئيسا ليهود مصر ، وصنّف كتابا في مذهب اليهود سمّاه « الدّلالة » ويعرف أيضا ب « دلالة الحائرين » يستجيده بعض اليهود ويذمّه بعضهم ويسمّيه « الضّلالة » . وتوفي ابن ميمون سنة 605 ه / 1208 م ، ونقل جثمانه بعد وفاته ودفن بجوار بحيرة طبريّة بناء على وصيّته . ( ابن العبري : تاريخ مختصر الدول 239 - 240 ، 242 ؛ القفطي : تاريخ الحكماء 317 - 319 ؛ ابن أبي أصيبعة : عيون الأنباء 2 : 117 ؛ ابن شاكر : فوات الوفيات 4 : 175 - 176 ) . وقد أصبح ابن ميمون رأسا لأسرة يهودية لعبت دورا هامّا في تاريخ اليهود في مصر خاصّة زمن ابنه إبراهام وحفيده داود . ( راجع ، . tra JE ; 2 - 009 . pp , III numyaM nbI . tra 2 lE , . G , adjaV Maimonides Moses XI , pp . 754 - 81 ; Arabham Ben Moses II , pp . 150 - 52 ؛ ولإسحاق ولفنسون كتاب : موسى بن ميمون ، القاهرة 1945 . وكتابه « دلالة الحائرين » نشره حسين آتاي بعد أن عارضه بأصوله العربية والعبرية وصدر عن كلية الإلهيات بجامعة أنقرة سنة -