المقريزي
949
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فورثت أولاد يهوذا رياسة الأسباط من بعده . إلى أن أرسل اللّه تعالى موسى بن عمران بن قاهاث ابن لاوي بن يعقوب إلى فرعون ، بعد وفاة يوسف بن يعقوب - عليهما السّلام - بمائة وأربع وأربعين سنة ، وهم رؤساء الأسباط . فلمّا نجّى اللّه موسى وقومه بعد غرق فرعون ومن معه ، رتّب - عليه السّلام - بني إسرائيل الاثني عشر سبطا أربع فرق ، وقدّم على جميعهم سبط يهوذا . فلم يزل سبط يهوذا مقدّما على سائر الأسباط أيّام حياة موسى - عليه السلام - وأيّام حياة يوشع بن نون . فلمّا مات يوشع سأل بنو إسرائيل اللّه تعالى ، وابتهلوا إليه في قبّة الشّمشار أن يقدّم عليهم واحدا منهم ، فجاء الوحي من اللّه بتقديم عثنيآل بن قناز من سبط يهوذا ، فتقدّم على سائر الأسباط ، وصار بنو يهوذا مقدّمين على سائر الأسباط من حينئذ إلى أن ملّك اللّه على بني إسرائيل نبيّه داود - وهو من سبط يهوذا - فورث ملك بني إسرائيل من بعده ابنه سليمان بن داود ، عليهما السّلام . فلمّا مات سليمان افترق ملك بني إسرائيل من بعده ، وصار لمدينة شمرون - التي يقال لها اليوم نابلس - عشرة أسباط ، وبقي بمدينة القدس سبطان : هما سبط يهوذا ، وسبط بنيامين . وكان يقال لسكّان شمرون « بنو إسرائيل » ، ويقال لسكّان القدس « بنو يهوذا » ، إلى أن انقرضت دولة بني إسرائيل من مدينة شمرون بعد مائتين وإحدى وخمسين سنة ، فصاروا كلّهم بالقدس تحت طاعة الملوك من بني يهوذا إلى أن قدم بخت نصّر وخرّب القدس ، وجلّا جميع بني إسرائيل إلى بابل ، فعرفوا هناك بين الأمم ب « بني يهوذا » . واستمرّ هذا سمة لهم بين الأمم بعد ذلك ، إلى أن / جاء اللّه بالإسلام ، فكان يقال للواحد منهم « يهوذي » بذال معجمة نسبة إلى سبط يهوذا ، وتلاعب العرب بذلك على عادتهم في التّلاعب بالأسماء المعجمة ، وقالوها بدال مهملة ، وسمّوا طائفة بني إسرائيل « اليهود » ، وبهذ اللغة نزل القرآن . ويقال إنّ أوّل من سمّى بني إسرائيل « اليهود » بخت نصّر « 1 » ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * [ الآية 216 ، 232 سورة البقرة ، والآية 66 سورة آل عمران ، والآية 19 سورة النور ] .
--> ( 1 ) رجّح القلقشندي أنّ اشتقاق كلمة « يهود » من قولهم : هاد إذا رجع . ولزمهم هذا الاسم من قول موسى - عليه السّلام - : إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ [ الآية 156 سورة الأعراف ] ، أي رجعنا وتضرّعنا . ( القلقشندي : صبح الأعشى 13 : 253 ) .