المقريزي
935
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ثم كان حرب الكنعانيين وسيجون ، والعوج صاحب البثنيّة من أرض حوران ، في الشّهور التي بعد ذلك إلى شهر شباط . فلمّا أهلّ شباط أخذ موسى في إعادة التّوراة على القوم ، وأمر بكتب نسختها وقراءتها ، وحفظ ما شاهدوه من آثاره ، وما أخذوه عنه من الفقه ، وكان نهاية ذلك في اليوم السّادس من آذار . وقال لهم في اليوم السّابع منه : إنّى في يومي هذا استوفيت عشرين ومائة سنة ، وإنّ اللّه قد عرّفني أنّه يقبضني فيه ، وقد أمرني أن أستخلف عليكم يوشع بن نون ، ومعه السّبعون رجلا الذين اخترتهم قبل هذا الوقت ، ومعهم إلعازر بن هارون / أخي ، فاسمعوا له وأطيعوا ، وأنا أشهد عليكم اللّه الذي لا إله إلّا هو والأرض والسّموات أن تعبدوا اللّه ، ولا تشركوا به شيئا ، ولا تبدّلوا شرائع التّوراة بغيرها . ثم فارقهم ، وصعد الجبل ، فقبضه اللّه تعالى هناك ، وأخفاه ، ولم يعلم أحد منهم قبره ، ولا شاهده « 1 » . وكان بين وفاة موسى وبين الطوفان ألف وستّ مائة وستّ وعشرون سنة ، وذلك في أيّام منوجهر ملك الفرس . وزعم قوم أنّ موسى كان ألثغ . فمنهم من جعل ذلك خلقة ، ومنهم من زعم أنّه إنّما اعتراه حين قالت امرأة فرعون لفرعون : لا تقتل طفلا لا يعرف الجمر من التّمر . فلمّا دعا له فرعون بهما جميعا ، تناول جمرة فأهوى بها إلى فيه ، فاعتراه من ذلك ما اعتراه . وذكر محمد بن عمر الواقدي أنّ لسان موسى كانت عليه شامة فيها شعرات ، ولا يدلّ القرآن على شئ من ذلك ، فليس في قوله تعالى : وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي [ الآية 27 سورة طه ] . دليل على شيء من ذلك دون شيء . فأقاموا بعده ثلاثين يوما يبكون عليه ، إلى أن أوحى اللّه تعالى إلى يوشع بن نون بترحيلهم ، فقادهم وعبر بهم الأردن في اليوم العاشر من نيسان ، فوافوا أريحا ، فكان منهم ما هو مذكور في مواضعه . فهذه جملة خبر موسى ، عليه السّلام « 2 » .
--> ( 1 ) التوراة ، سفر التثنية ، الإصحاح الثاني والثلاثون إلى الرابع والثلاثين . ( 2 ) سعيد بن البطريق : التاريخ المجموع 1 : 32 ، ونشرة Breydy 4 ؛ النويري : نهاية الأرب 14 : 1 - 4 .