المقريزي

930

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وأربعين ألفا ، يعملون من الأعمال ما يحيّر العقول ، ويأخذ القلوب ، من دخن ملوّنات ترى الوجوه مقلوبة مشوّهة ، منها الطويل والعريض ، والمقلوب جبهته إلى أسفل ولحيته إلى فوق ، ومنها ما له قرون ، ومنها ما له خرطوم وأنياب ظاهرة كأنياب الفيلة ، ومنها ما هو عظيم في قدر التّرس الكبير ، ومنها ما له آذان عظام ، وشبه وجوه القرود بأجساد عظيمة تبلغ السّحاب ، وأجنحة مركّبة على حيّات عظيمة تطير في الهواء ويرجع بعضها على بعض فيبتلعه ، وحيّات يخرج من أفواهها نار تنتشر في الناس ، وحيّات تطير وترجع في الهواء ، وتنحدر على كلّ من حضر لتبتلعه ، فيتهارب الناس منها ، وعصيّ تحلّق في الهواء ، فتصير حيّات برؤوس وشعور وأذناب تهمّ بالناس أن تنهشهم ، ومنها ما له قوائم ، ومنها تماثيل مهولة . وعملوا له دخنا تغشي أبصار الناس عن النظر فلا يرى بعضهم بعضا ، ودخنا تظهر صورا كهيئة الثّيران في الجوّ على دوابّ يصدم بعضها بعضا ، ويسمع لها ضجيج ، وصورا خضرا على / دوابّ خضر ، وصورا سودا على دوابّ سود هائلة . فلمّا رأى فرعون ذلك ، سرّه ما رأى هو ومن حضره ، واغتمّ موسى ومن آمن به ، حتّى أوحى اللّه إليه لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى * وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا [ الآيتان 68 ، 69 سورة طه ] . وكان للسّحرة ثلاثة رؤساء - ويقال بل كانوا سبعين رئيسا - فأسرّ إليهم موسى : قد رأيت ما صنعتم ، فإن قهرتكم أتؤمنون باللّه ؟ قالوا : نفعل . فغاظ فرعون مسارّة موسى لرؤساء السّحرة ؛ هذا والناس يسخرون من موسى وأخيه ، ويهزأون بهما وعليهما درّاعتان من صوف ، وقد احتزما بليف . فلوّح موسى بعصاه حتى غابت عن الأعين ، وأقبلت في هيئة تنّين عظيم له عينان تتوقّدان ، والنار تخرج من فيه ومنخريه ، فلا يقع على أحد إلا برص ، ووقع من ذلك على ابنة فرعون فبرصت . وصار التّنيّن فاغرا فاه ، فالتقط جميع ما عملته السّحرة ، ومائتي مركب كانت مملوءة حبالا وعصيّا وسائر من فيها من الملّاحين - وكانت في النهر الذي يتّصل بدار فرعون - وابتلع عمدا كثيرة وحجارة قد كانت حملت إلى هناك ليبنى بها . ومرّ التّنّين إلى قصر فرعون ليبتلعه - وكان فرعون جالسا في قبّة على جانب القصر ليشرف على عمل السّحرة - فوضع نابه تحت القصر ، ورفع نابه الآخر إلى أعلاه ، ولهب النار يخرج من فيه حتى أحرق مواضع من القصر ، فصاح فرعون مستغيثا بموسى - عليه السّلام - فزجر موسى التّنّين ، فانعطف ليبتلع الناس ، ففرّوا كلّهم من بين يديه ، وانساب يريدهم ، فأمسكه موسى ، وعاد في يده عصا كما كان .