المقريزي
931
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ولم ير الناس من تلك المراكب ، وما كان فيها من الحيال والعصيّ والناس ، ولا من العمد والحجارة ، وما شربه من ماء النهر حتى بانت أرضه أثرا . فعند ذلك قالت السّحرة : ما هذا من عمل الآدميين ، وإنّما هو من فعل جبّار قدير على الأشياء ! فقال لهم موسى : أوفوا بعهدكم ، وإلّا سلّطته عليكم يبتلعكم كما ابتلع غيركم . فآمنوا بموسى ، وجاهروا فرعون ، وقالوا : هذا من فعل إله السّماء ، وليس هذا من فعل أهل الأرض . فقال : قد عرفت أنّكم قد واطأتموه عليّ وعلى ملكي حسدا منكم لي . وأمر فقطّعت أيديهم وأرجلهم من خلاف ، وصلبوا « 1 » ، وجاهرته امرأته ، والمؤمن الذي كان يكتم إيمانه « 2 » . وانصرف موسى ، فأقام بمصر يدعو فرعون أحد عشر شهرا ، من شهر آيار إلى شهر نيسان المستقبل ، وفرعون لا يجيبه ، بل اشتدّ جوره على بني إسرائيل واستعبادهم ، واتّخاذهم سخريّا في مهنة الأعمال . فأصابت فرعون وقومه الجوائح العشر « 3 » ، واحدة بعد أخرى ، وهو يتثبّت لهم عند وقوعها ، ويفزع إلى موسى في الدّعاء بانجلائها ، ثم يلحّ عند انكشافها ، فإنّها كانت عذابا من اللّه - عزّ وجلّ - عدّب اللّه بها فرعون وقومه . فمنها أنّ ماء مصر صار دما حتى هلك أكثر أهل مصر عطشا ، وكثرت عليهم الضّفادع حتى وسّخت جميع مواضعهم ، وقذّرت عليهم عيشهم وجميع مآكلهم ، وكثر البعوض حتى حبس الهواء ومنع النسيم ، وكثر عليهم ذباب الكلاب حتى جرّح أبدانهم ونغّص عليهم حياتهم ، وماتت دوابّهم وأغنامهم فجأة ، وعمّ الناس الجرب ، والجدري حتى زاد منظرهم قبحا على مناظر الجذمى . ونزل من السّماء برد مخلوط بصواعق أهلك كلّ ما أدركه من الناس والحيوانات ، وذهب بجميع الثّمار ، وكثر الجراد والجنادب التي أكلت الأشجار ، واستقصت أصول النبات ، وأظلمت الدّنيا ظلمة سوداء غليظة حتى كانت من غلظها تحسّ بالأجسام . وبعد ذلك كلّه نزل الموت فجأة على بكور أولادهم ، بحيث لم يبق لأحد منهم ولد بكر إلّا فجع به في تلك الليلة ، ليكون لهم في ذلك شغل عن بني إسرائيل .
--> ( 1 ) وهو ما روته الآيات من 42 إلى 79 من سورة طه ، ومن 106 إلى 126 من سورة الأعراف ، وكذلك الآيات من 75 إلى 89 من سورة يونس ، والآيات 29 إلى 51 من سورة الشعراء . ( 2 ) راجع الآيات 28 - 35 سورة غافر . ( 3 ) انظر الآية 101 سورة الإسراء ، ونصّ الآية أنّها تسع آيات لا عشر ؛ وانظر كذلك النويري : نهاية الأرب 13 : 197 - 198 .