المقريزي

899

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فسفر « a » كريب وصاحباه في الصّلح على أمان كتبه مروان لأهل مصر وغيرهم ممّن شرب ماء النيل ، وعلى أن يسلّم لابن جحدم من بيت المال عشرة آلاف دينار ، وثلاث مائة ثوب بقطرية ، ومائة ريطة ، وعشرة أفراس ، وعشرين بغلا ، وخمسين بعيرا . فتمّ الصّلح على ذلك . ودخل مروان الفسطاط مستهلّ جمادى الأولى سنة خمس وستين ، فنزل دار الفلفل ، ودفع إلى ابن جحدم جميع ما صالحه عليه ، وسار ابن جحدم إلى الحجاز ، ولم يلق كلّ واحد منهما الآخر « 1 » . وتفرّق المصريون ، وأخذوا في دفن قتلاهم والبكاء عليهم ، فسمع مروان البكاء ، فقال : ما هذه النوادب ؟ فقيل على القتلى ، قال : لا أسمع نائحة تنوح إلّا أحللت بمن هي في داره العقوبة . فسكتن عند ذلك . ودفن أهل مصر قتلاهم فيما بين الخندق والمقطّم ، وهي المقابر التي يسمّيها المصريون « مقابر الشّهداء » ، ودفن أهل الشّام قتلاهم فيما بين الخندق ومنية الأصبغ « 2 » . وكان قتلى أهل مصر ما بين الستّ مائة إلى السبع مائة ، وقتلى أهل الشّام / نحوا من الثماني مائة « b » . ولمّا برز مروان من الفسطاط سائرا إلى الشّام ، سمع رحبة « c » النساء يندبن قتلاهن ، قال : ويحهن ، ما هذا ؟ قالوا : النساء على مقابرهن يندبن قتلاهن ، فعرج عليهن ، فأمر بالانصراف . قالوا : كذا هنّ كلّ يوم . قال : فامنعوهنّ إلّا من سبت إلى سبت « d » . وخرج مروان من مصر إلى الشّام لهلال رجب سنة خمس وستين ، وكان مقامه بالفسطاط شهرين ، واستخلف ابنه عبد العزيز على مصر ، وضمّ إليه بشر بن مروان - وكان حدثا - ثم ولّى عبد الملك بشرا بعد ذلك البصرة . قال : ثم دثر هذا الخندق إلى أيّام خلع الأمين بمصر ، وبيعة المأمون ، وولى البلد عباد بن محمد ابن حبّان - مولى كندة - من قبل المأمون . فكتب الأمين بمصر إلى أهل الحوفين في القيام ببيعته ، وقتال عباد وأهل مصر ، فتجمّع أهل الحوف لذلك واستعدّوا .

--> ( a ) بولاق : فسعى . ( b ) بولاق : نحو الثلاث مائة . ( c ) بولاق : وجبة . ( d ) بولاق : إلّا من سبب . ( 1 ) الكندي : ولاة مصر 67 . ( 2 ) حاشية بخطّ المؤلّف : « منية الأصبغ ظاهر الحسينيّة خارج القاهرة » .