المقريزي
839
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
أبي بكر بن حزم أمير المدينة : « ادع زيد بن الحسن فأقره الكتاب ، فإن عرفه فاكتب إليّ ، وإن هو نكل فقدّمه ، فاحلف « a » يمينه عند منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنّه ما كتبه ، ولا أمر به » . فخاف زيد اللّه واعترف ، فكتب بذلك أبو بكر ، فكتب سليمان أن يضربه مائة سوط ، وأن يدرعه عباءة ويمشيه حافيا . فحبس عمر بن عبد العزيز الرّسول ، وقال : حتى أكلّم أمير المؤمنين فيما كتب به في حقّ زيد . فقال للرّسول : لا تخرج فإنّ أمير المؤمنين مريض . فمات سليمان ، وأحرق عمر الكتاب . وأمّا والد نفيسة ، وهو الحسن بن زيد ، فهو الذي كان والي المدينة النبويّة من قبل أبي جعفر عبد اللّه بن محمد المنصور ، وكان فاضلا أديبا عالما ، وأمّه أمّ ولد ، توفي أبوه وهو غلام ، وترك عليه دينا أربعة آلاف دينار ، فحلّف الحسن ولده ألّا يظلّ رأسه سقف إلّا سقف مسجد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أو بيت رجل يكلّمه في حاجة ، حتى يقضي دين أبيه . فوفّاه ، وقضاه بعد ذلك . ومن كرمه أنّه أتي بشاب شارب متأدّب ، وهو عامل على المدينة ، فقال : يا ابن رسول اللّه لا أعود ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم » ، وأنا ابن أبي أمامة بن سهل ابن حنيف ، وقد كان أبي مع أبيك كما قد علمت . قال : صدقت ، فهل أنت عائد ؟ قال : لا واللّه . فأقاله ، وأمر له بخمسين دينارا ، وقال له : تزوّج بها وعد إليّ . فتاب الشّابّ ، وكان الحسن ابن زيد يجري عليه النفقة . وكانت نفيسة من الصّلاح والزّهد على الحدّ الذي لا مزيد عليه ، فيقال إنّها حجّت ثلاثين حجّة . وكانت كثيرة البكاء ، تديم قيام الليل وصيام النهار ، فقيل لها : ألا ترفقين بنفسك ؟ فقالت : كيف أرفق بنفسي وأمامي عقبة لا يقطعها إلّا الفائزون . وكانت تحفظ القرآن وتفسيره . وكانت لا تأكل إلّا في كلّ ثلاث ليال أكلة واحدة ، ولا تأكل من غير زوجها شيئا . وقد ذكر أنّ الإمام الشّافعي محمد بن إدريس كان زارها ، وهي من وراء الحجاب ، وقال لها : « ادعي لي » ، وكان صحبته عبد اللّه بن عبد الحكم . وماتت - رضي اللّه عنها - بعد موت الإمام الشّافعي - رحمة اللّه عليه - بأربع سنين ، لأنّ الشّافعي توفيّ سلخ شهر رجب سنة أربع ومائتين ، يقال إنّها فيمن « b » صلّى على الإمام الشّافعي .
--> ( a ) بولاق : فأصاب . ( b ) بولاق : وقيل إنّها كانت فيمن .