المقريزي

834

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ووجبت البيعة في عنقي وعنقهم . قال : أفتأذن لي أن أخرج من هذا البلد ، فلا آمن أن يحدث حدث فأهلك نفسي ؟ فأذن له ، فخرج إلى اليمامة . وكتب عبد اللّه بن الحسن بن الحسن إلى زيد : « أمّا بعد ، فإنّ أهل الكوفة نفج العلانية ، حور السّريرة ، هوج في الرّدّ ، أجزع في اللقا ، تقدمهم ألسنتهم ، ولا تتابعهم قلوبهم ، ولقد تواترت كتبهم إليّ بدعوتهم ، فصمّمت عن ندائهم ، وألبست قلبي عشاء من ذكرهم ، يأسا منهم ، واطّراحا لهم . وما لهم مثل إلّا ما قال عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه : إن أهملتم خضتم ، وإن خوّرتم خرتم ، وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم ، وإن أجبتم إلى مشاقة نكصتم » . فلم يصغ زيد إلى شيء من ذلك ، وأقام على حاله يبايع الناس ، ويتجهّز للخروج ، وتزوّج بالكوفة امرأتين ، وكان ينتقل تارة عند هذه في بني سلمة قومها ، وتارة عند هذه في الأزد قومها ، وتارة في بني عبس ، وتارة في بني تغلب وغيرهم ، إلى أن ظهر في سنة اثنتين وعشرين ومائة ، فأمر أصحابه بالاستعداد ، وأخذ من كان يريد الوفاء بالبيعة يتجهّز . فبلغ ذلك يوسف بن عمر ، فبعث في طلب زيد ، فلم يوجد . وخاف زيد أن يؤخذ ، فتعجّل قبل الأجل الذي جعله بينه وبين أهل الكوفة ، وعلى الكوفة يومئذ الحكم بن الصّلت في ناس من أهل الشّام ، ويوسف بن عمر بالحيرة . فلمّا علم أصحاب زيد أنّ يوسف بن عمر قد بلغه الخبر ، وأنّه يبحث عن زيد ، اجتمع إلى زيد جماعة من رؤوسهم ، فقالوا : رحمك اللّه ، ما قولك في أبي بكر وعمر ؟ فقال زيد : رحمهما اللّه وغفر لهما ، ما سمعت أحدا من أهل بيتي يقول فيهما إلّا خيرا ، وإنّ أشدّ ما أقول فيما ذكرتم : إنّا كنّا أحقّ بسلطان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الناس أجمعين ، فدفعونا عنه ، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا ، وقد ولوا فعدلوا في الناس ، وعملوا بالكتاب والسّنّة . قالوا : فلم يظلمك هؤلاء إذا كان أولئك لم يظلموا ؟ وإذا كان هؤلاء لم يظلموا فلم تدعو إلى قتالهم ؟ فقال : إنّ هؤلاء ليسوا كأولئك ، هؤلاء ظالمون لي ولأنفسهم ولكم ، وإنّما ندعوهم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وإلى السّنن أن تحيى ، وإلى البدع أن تطفأ ، فإن أجبتمونا سعدتم ، وإن أبيتم فلست عليكم بوكيل .