المقريزي

833

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

فإذا قال : نعم ، مسح يده على يده ، ثم قال : اللهم فاشهد . فبايعه خمسة عشر ألفا - وقيل أربعون ألفا - وأمر أصّحابه بالاستعداد . فأقبل من يريد أن يفي ويخرج معه يستعد ويتهيّأ . فشاع أمره في الناس . هذا على قول من زعم أنّه أتى الكوفة من الشّام ، واختفى بها يبايع الناس . وأمّا على قول من زعم أنّه أتى إلى يوسف بن عمر ، لمرافعة خالد بن عبد اللّه القسري ، أو ابنه يزيد بن خالد ، فإنّه قال : أقام زيد بالكوفة ظاهرا ، ومعه داود بن علي بن عبد اللّه بن عبّاس ، وأقبلت الشّيعة تختلف إليه ، وتأمره بالخروج ويقولون : إنّا لنرجو أن تكون أنت المنصور ، وإنّ هذا الزّمان الذي يهلك فيه بنو أميّة . فأقام بالكوفة ، ويوسف بن عمر يسأل عنه ، فيقال هو هاهنا ، ويبعث إليه ليسير ، فيقول : نعم ، ويعتل بالوجع . فمكث ما شاء اللّه . ثم أرسل إليه يوسف بالمسير عن الكوفة ، فاحتجّ بأنّه يحاكم آل طلحة بن عبيد اللّه بملك بينهما بالمدينة . فأرسل إليه ليوكّل وكيلا ويرحل عنها . فلمّا رأى الجدّ من يوسف في أمره ، سار حتّى أتى القادسيّة - وقيل الثّعلبيّة - فتبعه أهل الكوفة ، وقالوا له : نحن أربعون ألفا ، لم يتخلّف عنك أحد ، نضرب عنك بأسيافنا ، وليس هاهنا من أهل الشّام إلّا عدّة يسيرة ، وبعض قبائلنا يكفيهم بإذن اللّه ، وحلفوا له بالأيمان المغلّظة . فجعل يقول : إنّي أخاف أن تخذلوني وتسلّموني ، كفعلكم بأبي وجدّي . فيحلفون له . فقال له داود بن علي : لا يغرّك يا ابن عمّي هؤلاء ، أليس قد خذلوا من كان أعزّ عليهم منك : جدّك علي بن أبي / طالب حتّى قتل ، والحسن من بعده بايعوه ، ثم وثبوا عليه وانتزعوا رداءه وجرحوه ؟ أو ليس قد أخرجوا جدّك الحسين ، وحلفوا له ، ثم خذلوه وأسلموه ، ولم يرضوا بذلك حتى قتلوه ؟ فلا ترجع معهم . فقالوا : يا زيد ، إنّ هذا لا يريد أن تظهر أنت ، ويزعم أنّه وأهل بيته أولى بهذا الأمر منكم . فقال زيد لداود : إنّ عليّا كان يقاتله معاوية بذهبه ، وإنّ الحسين قاتله يزيد والأمر مقبل عليهم . فقال له داود : إنّي أخاف إن رجعت معهم ألّا يكون أحد أشدّ عليك منهم ، وأنت أعلم . ومضى داود إلى المدينة ، ورجع زيد إلى الكوفة فأتاه سلمة بن كهيل ، فذكر له قرابته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحقّه ، فأحسن ، ثم قال له : نشدتك اللّه ، كم بايعك ؟ قال : أربعون ألفا . قال : فكم بايع جدّك ؟ قال : ثمانون ألفا . قال : فكم حصل معه ؟ قال : ثلاث مائة . قال : نشدتك اللّه ، أنت خير أم جدّك ؟ قال : جدّي . قال : فهذا القرن خير أم ذلك القرن ؟ قال : ذلك القرن . قال : أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدّك ؟ قال : قد بايعوني ،