المقريزي

832

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

يا أمير المؤمنين ، إنّ اللّه لم يرفع أحدا عن أن يرضى باللّه ، ولم يضع أحدا عن ألّا يرضى بذلك منه . فقال هشام : أنت زيد المؤمّل للخلافة وما أنت والخلافة - لا أمّ لك - وأنت ابن أمة ؟ فقال زيد : لا أعلم أحدا عند اللّه أفضل من نبيّ بعثه ، ولقد بعث اللّه نبيّا وهو ابن أمة ، ولو كان به تقصير عن منتهى غاية لم يبعث ، وهو إسماعيل بن إبراهيم ، والنبوّة أعظم منزلة من الخلافة عند اللّه ، ثم لم يمنعه اللّه من أن جعله أبا للعرب ، وأبا لخير البشر محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، وما يقصر برجل أبوه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وبعد أمّي فاطمة لا أفخر بأمّ . فوثب هشام من مجلسه ، وتفرّق الشّاميون عنه ، وقال لحاجبه : لا يبيت هذا في عسكري أبدا . فخرج زيد وهو يقول : ما كره قوم قطّ جرّ السّيوف إلّا ذلّوا . وسار إلى الكوفة ، فقال له محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب : أذكّرك اللّه يا زيد لما لحقت بأهلك ، ولا تأت أهل الكوفة ، فإنّهم لا يفون لك . فلم يقبل ، وقال : خرج بنا هشام أسراء على غير ذنب من الحجاز إلى الشّام ، ثم إلى الجزيرة ، ثم إلى العراق ، ثم إلى تيس ثقيف يلعب بنا . وأنشد : [ الكامل ] بكرت تخوّفني الحتوف كأنّني * أصبحت عن عرض الحياة بمعزل فأجبتها إنّ المنيّة منزل * لا بد أن أسقى بكأس المنهل إنّ المنيّة لو تمثّل مثّلت * مثلي إذا نزلوا بضيق المنزل فاقني حباك « a » لا أبا لك واعلمي * إنّي امرؤ سأموت إن لم أقتل أستودعك اللّه ، وإنّي أعطي اللّه عهدا إن دخلت يدي في طاعة هؤلاء ما عشت . وفارقه ، وأقبل إلى الكوفة ، فأقام بها مستخفيا يتنقّل في المنازل . فأقبلت الشّيعة تختلف إليه تبايعه ، فبايعه جماعة من وجوه أهل الكوفة . وكانت بيعته : « إنّا ندعوكم إلى كتاب اللّه وسنّة نبيّه ، وجهاد الظالمين ، والدّفع عن المستضعفين ، وإعطاء المحرومين ، وقسم هذا الفيء بين أهله بالسّواء ، وردّ المظالم ، وأفعال الخير ، ونصرة أهل البيت ، أتبايعون على ذلك ؟ » . فإذا قالوا : نعم ، وضع يده على أيديهم ويقول : « عليك عهد اللّه وميثاقه وذمّته وذمّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : لتؤمننّ بيعتي ، ولتقاتلنّ عدوّي ، ولتنصحنّ لي في السّرّ والعلانية .

--> ( a ) بولاق : فاتني حبالك .