المقريزي

831

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

حسن ، فكانا يبلغان كلّ غاية ، ويقومان فلا يعيدان ممّا كان بينهما حرفا . فلمّا مات جعفر ، نازعه عبد اللّه بن الحسن بن الحسن . فتنازعا يوما بين يدي خالد بن عبد الملك بن الحارث بالمدينة ، فأغلظ عبد اللّه لزيد ، وقال : يا ابن السّنديّة . فضحك زيد ، وقال : قد كان إسماعيل - عليه السّلام - ابن أمة ، ومع ذلك فقد صبرت أمّي بعد وفاة سيّدها ، ولم يصبر غيرها - يعني فاطمة بنت الحسين أم عبد اللّه - فإنّها تزوّجت بعد أبيه الحسن بن الحسن . ثم إنّ زيدا ندم ، واستحيى من فاطمة فإنّها عمّته ، ولم يدخل إليها زمانا . فأرسلت إليه : يا ابن أخي ، إنّي لأعلم أنّ أمّك عندك ، كأمّ عبد اللّه عنده . وقالت لعبد اللّه : بئس ما قلت لأمّ زيد ، أما واللّه لنعم دخيلة القوم كانت . وذكر أنّ خالدا قال لهما : اغدوا علينا غدا فلست ابن عبد الملك إن لم أفصل بينكما . فباتت المدينة تغلي كالمرجل : يقول قائل قال زيد كذا ، ويقول قائل قال عبد اللّه كذا . فلمّا كان من الغد ، جلس خالد في المسجد ، واجتمع الناس ، فمن بين شامت ومهموم . فدعا بهما خالد وهو يحبّ أن يتشاتما . فذهب عبد اللّه يتكلّم ، فقال زيد : لا تعجل يا أبا محمد ، أعتق زيد كلّ ما يملك إن خاصمك إلى خالد أبدا . ثم أقبل إلى خالد ، فقال له : لقد جمعت ذرّيّة رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، لأمر ما كان يجمعهم عليه أبو بكر ولا عمر . فقال خالد : أما لهذا السّفيه أحد ؟ فتكلّم رجل من الأنصار من آل / عمرو بن حزم ، فقال : يا ابن أبي تراب وابن حسين السّفيه ، أما ترى لوال عليك حقّا ولا طاعة ؟ ! فقال زيد : اسكت أيها القحطاني ، فإنّا لا نجيب مثلك . قال : ولم ترغب عنّي ؟ فو اللّه إنّي لخير منك وخير من أبيك ، وأمّي خير من أمّك . فتضاحك زيد ، وقال : يا معشر قريش ، هذا الدّين قد ذهب ، أفتذهب الأحساب ؟ فو اللّه ليذهب دين القوم وما تذهب أحسابهم . فقام عبد اللّه بن واقد بن عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب ، فقال : كذبت واللّه أيّها القحطاني ، فو اللّه لهو خير منك نفسا وأبا وأمّا ومحتدا . وتناوله بكلام كثير ، وأخذ كفّا من حصباء وضرب بها الأرض ، وقال : واللّه إنّه ما لنا على هذا من صبر ، وقام . ثم شخص زيد إلى هشام بن عبد الملك ، فجعل هشام لا يأذن له ، وهو يرفع إليه القصص . فكلّما يرفع قصّة ، يكتب هشام في أسفلها « ارجع إلى منزلك » ، فيقول زيد : واللّه لا أرجع إلى خالد أبدا . ثم إنّه أذن له يوما بعد طول حبس ، فصعد زيد - وكان بادنا - فوقف في بعض الدّرج وهو يقول : واللّه لا يحبّ الدّنيا أحد إلّا ذلّ . ثم صعد - وقد جمع له هشام أهل الشّام - فسلّم ، ثم جلس . ورمى عليه هشام طويلة ، فحلف لهشام على شيء ، فقال هشام : لا أصدّقك . فقال :