المقريزي
777
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
ولمّا خرج مع السّلطان إلى الحجاز ، خرج بتجمّل زائد وحشمة عظيمة ، وهو ساقة الناس كلهم ، وكان ثقله وحاله « a » نظير ما للسّلطان ، ولكن يزيد عليه بالزّركش وآلات الذّهب . ووجد في خزانته بطريق الحجاز بعد موته خمس مائة تشريف : منها ما هو أطلس بطرز زركش « b » وحوائص ذهب وكلّوتات زركش « b » ، وما دون ذلك من خلع أرباب السّيوف وأرباب الأقلام ، ووجد معه قيود وجنازير . وتنكّر السّلطان له في طريق الحجاز ، واستوحش كلّ منهما من صاحبه . فاتّفق أنّهم في العود مرض ولده أحمد ، ومرض من بعده ، فمات ابنه قبله بثلاثة أيّام ، فحمل في تابوت مغشّى بجلد جمل ، ولمّا مات بكتمر دفن مع ولده بنخل ، وحثّ السّلطان في المسير . وكان لا ينام في تلك السّفرة إلّا في برج خشب ، وبكتمر عنده وقوصون على الباب ، والأمراء المشايخ كلّهم حول البرج بسيوفهم ، فلمّا مات بكتمر ، ترك السّلطان ذلك ، فعلم الناس أنّ احترازه كان خوفا من بكتمر . ويقال إنّ السّلطان دخل عليه ، وهو مريض في درب الحجاز ، فقال له : بيني وبينك اللّه . فقال له : كل من فعل شيئا يلتقيه . ولمّا مات صرخت زوجته أمّ ابنه أحمد ، وبكت وأعولت إلى أن سمعها الناس تتكلّم بالقبيح في حقّ السّلطان ، من جملته : أنت تقتل مملوكك ، أنا ابني إيش كان [ بينك وبينه ] « c » ؟ فقال لها : بسّ ، تفشرين ، هاتي مفاتيح صناديقه ، فأنا أعرف كلّ شيء أعطيته من الجواهر ، فرمت بالمفاتيح إليه ، فأخذها . ولمّا وصل السّلطان إلى قلعة الجبل أظهر الحزن والندامة عليه ، وأعطى أخاه قمارى إمرة مائة وتقدمة ألف ، وكان يقول : ما بقي يجيئنا مثل بكتمر . وأمر فحملت جثّته وجثّة ابنه إلى خانقاهه هذه ، ودفنتا بقبّتها . وبدت من السّلطان أمور منكرة بعد موت بكتمر . فإنّه كان يحجر على السّلطان ، ويمنعه من مظالم كثيرة ، وكان يتلطف بالناس ، ويقضي حوائجهم ، ويسوسهم أحسن سياسة ، ولا يخالفه السّلطان في شيء ، ومع ذلك فلم يكن له حماية ولا رعاية ، ولا لغلمانه ذكر ، ومن المغرب يغلق باب / إسطبله .
--> ( a ) بولاق : وجماله . ( b - b ) ساقطة من بولاق . ( c ) زيادة من المقفى الكبير .