المقريزي
755
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وقام ابن غراب بتولية عبد العزيز بن برقوق ، وأجلسه على تخت الملك عشاء ، ولقّبه ب « الملك المنصور » ، ودبّر الدّولة كما أحبّ مدّة سبعين يوما ، إلى أن أحسّ من الأمراء بتغيّر ، فأخرج الناصر ليلا ، وجمع عليه عدّة من الأمراء والمماليك ، وركب معه بلأمة الحرب إلى القلعة . فلم يلبث أصحاب المنصور وانهزموا ، ودخل الناصر إلى القلعة واستولى على المملكة ثانيا ، فألقى مقاليد الدّولة إلى ابن غراب وفوّض إليه ما وراء سريره ، ونظمه في خاصّته وجعله من أكابر الأمراء ، وناط به جميع الأمور « 1 » . فأصبح مولى نعمة كلّ من السّلطان والأمراء ، يمنّ عليهم بأنّه أبقى لهم مهجهم ، وأعاد إليهم سائر ما كانوا قد سلبوه من ملكهم ، وأمدّهم بماله وقت حاجتهم وفاقتهم إليه ، ويفخر ويتكثّر بأنّه أقام دولة وأزال دولة ، ثم أزال ما أقام وأقام ما أزال ، من غير حاجة ولا ضرورة ألجأته إلى شيء من ذلك ، وأنّه لو شاء أخذ الملك لنفسه . وترك كتابة السّرّ لغلامه وأحد كتّابه فخر الدّين بن المزوّق ، ترفّعا عنها واحتقارا لها ، ولبس هيئة الأمراء - وهي الكلّوتة والقباء - وشدّ السّيف في وسطه ، وتحوّل من داره التي على بركة الفيل إلى دار بعض الأمراء بحدرة البقر . فغاضبه القضاة ، وكان عند الانتهاء الانحطاط . ونزل به مرض الموت ، فنال في مرضه من السّعادة ما لم يسمع بمثله لأحد من أبناء جنسه ، وصار الأمير يشبك ومن دونه من الأمراء يتردّدون إليه ، وأكثرهم إذا دخل عليه وقف قائما على قدميه حتى ينصرف ، إلى أن مات يوم الخميس تاسع عشر شهر رمضان سنة ثمان وثمان مائة ، ولم يبلغ ثلاثين سنة . وكانت جنازته أحد الأمور العجيبة بمصر ، لكثرة من شهدها من الأمراء والأعيان وسائر أرباب الوظائف ، بحيث استأجر الناس السّقائف والحوانيت لمشاهدتها ، ونزل السّلطان للصّلاة عليه وصعد إلى القلعة ، فدفن خارج باب المحروق « 2 » . وكان من أحسن الناس شكلا ، وأحلاهم منظرا ، وأكرمهم يدا ، مع تديّن وتعفّف عن القاذورات ، وبسط يد بالصّدقات ، إلّا أنّه كان غدّارا ، لا يتوانى عن طلب عدوّه ، ولا يرضى
--> ( 1 ) فيما تقدم 3 : 782 . ( 2 ) لا يعرف على وجه التّدقيق الموضع الذي دفن فيه القاضي سعد الدّين بن غراب خارج باب المحروق ؛ ولكن توجد بقرافة المماليك بجوار تربة منكلي بغا الفخري ومدرسة قايتباي ومقعده قبّة تنسب خطأ إلى القاضي سعد الدّين ابن غراب أنشئت في أغلب الظّنّ سنة 753 ه / 1352 م ولم يعرف منشؤها . ( عاصم محمد رزق : أطلس العمارة الإسلامية 3 : 185 - 194 ) .