المقريزي

474

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وابن حنّا هذا هو عليّ بن محمد بن سليم - بفتح السين المهملة وكسر اللام ، ثم ياء آخر الحروف بعدها ميم - ابن حنّا - بحاء مهملة مكسورة ، ثم نون مشددة مفتوحة بعدها ألف - الوزير الصّاحب بهاء الدّين « 1 » ، ولد بمصر في سنة ثلاث وستّ مائة ، وتنقّلت به الأحوال في كتابة الدّواوين إلى أن ولي المناصب الجليلة ، واشتهرت كفايته ، وعرفت في الدّولة نهضته ودرايته ، فاستوزره السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري في ثامن شهر ربيع الأوّل سنة تسع وخمسين وست مائة ، بعد القبض على الصّاحب زين الدّين يعقوب ابن الزّبير ، وفوّض إليه تدبير المملكة وأمور الدّولة كلّها ، فنزل من قلعة الجبل بخلع الوزارة - ومعه الأمير سيف الدّين بلبان الرّومي الدّوادار ، وجميع الأعيان والأكابر - إلى داره . واستبدّ بجميع التّصرّفات ، وأظهر عن حزم وعزم وجودة رأي . وقام بأعباء الدّولة من ولايات العمّال وعزلهم ، من غير مشاورة السّلطان ولا اعتراض أحد عليه ، فصار مرجع جميع الأمور ومصدرها عنه ، ومنشأ ولايات الخطط والأعمال من قلمه ، وزوالها عن أربابها لا يصدر إلّا من قبله . وما زال على ذلك طول الأيّام الظّاهريّة . فلمّا قام الملك السّعيد بركة خان بأمر المملكة بعد موت أبيه الملك الظّاهر ، أقرّه على ما كان عليه في حياة والده ، فدبّر الأمور وساس الأحوال ، وما تعرّض له أحد بعداوة ولا سوء ، مع كثرة من كان يناوئه من الأمراء وغيرهم ، إلّا وصدّه اللّه عنه ، ولم يجد ما يتعلّق به عليه ولا ما يبلغ به مقصوده منه . وكان عطاؤه واسعا ، وصلاته وكلفه للأمراء والأعيان ، ومن يلوذ به ويتعلّق بخدمته ، تخرج عن الحدّ في الكثرة ، وتتجاوز القدر في السّعة مع حسن ظنّ بالفقراء ، وصدق العقيدة في أهل الخير والصّلاح ، والقيام بمعونتهم ، وتفقّد أحوالهم ، وقضاء أشغالهم ، والمبادرة إلى امتثال أوامرهم ، والعفّة عن الأموال - حتى إنّه لم يقبل من أحد في وزارته هديّة ، إلّا أن تكون هديّة فقير أو شيخ معتقد يتبرّك بما يصل من أثره - وكثرة الصّدقات في السّرّ والعلانية . وكان يستعين على ما التزمه من المبرّات ولزمه من الكلف بالمتاجر ، وقد مدحه عدّة من الناس ، فقبل مديحهم وأجزل جوائزهم . وما أحسن قول الرّشيد الفارقي فيه :

--> ( 1 ) انظر ترجمة الوزير الصّاحب بهاء الدّين بن حنّا عند ، الصفدي : الوافي 22 : 30 - 31 ؛ ابن الفرات : تاريخ 7 : 125 ؛ المقريزي : السلوك 1 : 649 ؛ العيني : عقد الجمان 2 : 207 ؛ أبي المحاسن : النجوم 7 : 285 ، المنهل الصافي 8 : 150 - 151 .