المقريزي
595
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فلمّا زالت دولة الملك الظّاهر برقوق بحضور الأمير يلبغا الناصري نائب حلب ، في يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة سنة إحدى وتسعين وسبع مائة ، بعساكر الشّام إلى القاهرة واختفى الظّاهر ثم أمسكه ، هرب هو وولده فنهبت دوره . ثم إنّه ظهر من الاستتار في يوم الخميس ثامن جمادى الآخرة ، وقدّم للأمير يلبغا الناصري مالا كثيرا ، فقبض عليه وقيّده وسجنه بقلعة الجبل . وأقيم بدله في الأستادّارية الأمير علاء الدّين آقبغا الجوهري . فلمّا زالت دولة يلبغا الناصري بقيام الأمير منطاش عليه ، قبض على آقبغا الجوهري فيمن قبض عليه من الأمراء ، وأفرج عن الأمير محمود في يوم الاثنين ثامن شهر رمضان ، وألبسه قباء مطرّزا بذهب ، وأنزله إلى داره . ثم قبض عليه ، وسجن بخزانة الخاصّ في يوم الأحد سادس عشر ذي الحجّة ، في عدّة من الأمراء والمماليك ، عند عزم منطاش على السّفر لحرب برقوق عند خروجه من الكرك ومسيره إلى دمشق . فكانت جملة ما حمله الأمير محمود من الذّهب العين للأمير يلبغا الناصري وللأمير منطاش ، ثمانية وخمسين قنطارا من الذّهب المصري ، منها ثمانية عشر قنطارا في ليلة واحدة . فلم يزل في الاعتقال إلى أن خرج المماليك مع الأمير بوطا ، في ليلة الخميس ثاني صفر سنة اثنتين وتسعين وسبع مائة ، فخرج معهم ، وأقام بمنزله إلى أن عاد الملك الظّاهر برقوق إلى المملكة في رابع عشر صفر ، فخلع عليه ، واستقرّ أستادّار السّلطان على عادته في يوم الاثنين تاسع عشرين جمادى الأولى من السنة المذكورة عوضا عن الأمير قرقماس الطشتمري بعد وفاته . ثم خلع على ولده الأمير ناصر الدّين محمد بن محمود في يوم الخميس ثاني عشرين صفر سنة أربع وتسعين وسبع مائة ، واستقرّ نائب السّلطنة بثغر الإسكندرية عوضا عن الأمير ألطنبغا المعلم ، فقويت حرمة الأمير محمود ونفذت كلمته إلى يوم الاثنين حادي عشر رجب من السنة المذكورة . فثار عليه المماليك السّلطانية بسبب تأخّر كسوتهم ، ورموه من أعلى القلعة بالحجارة ، / وأحاطوا به وضربوه يريدون قتله ، لولا أنّ اللّه أغاثه بوصول الخبر إلى الأمير الكبير أيتمش - وكان يسكن قريبا من القلعة - فركب بنفسه وساق حتى أدركه ، وفرّق عنه المماليك وسار به إلى منزله حتى سكنت الفتنة ، ثم شيّعه إلى داره . فكانت هذه الواقعة مبدأ انحلال أمره ؛ فإنّ السّلطان صرفه عن الأستادّارية وولّى الأمير الوزير ركن الدّين عمر بن قايماز في يوم الخميس رابع عشره ، وخلع على الأمير محمود قباء بطرز ذهب