المقريزي
559
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
عوضه الأمير سيف الدّين بلبان الطبّاخي ، وذلك في أوائل شعبان سنة إحدى وتسعين ، وكانت ولايته على حلب تسع سنين . فلمّا خرج السّلطان من مدينة حلب ، خرج في خدمته ، وتوجّه مع الأمير بدر الدّين بيدرا - نائب السّلطنة بديار مصر - في عدّة من الأمراء لقتال أهل جبال كسروان . فلمّا عاد سار مع السّلطان من دمشق إلى القاهرة ، ولم يزل بها إلى أن ثار الأمير بيدرا على الأشرف ، فتوجّه معه وأعان على قتله . فلمّا قتل بيدرا فرّ قراسنقر ولا جين في نصف المحرّم سنة ثلاث وتسعين وستّ مائة ، واختفيا بالقاهرة ، إلى أن استقرّ الأمر للملك الناصر محمد بن قلاوون ، وقام في نيابة السّلطنة وتدبير الدّولة الأمير زين الدّين كتبغا ، فظهرا في يوم عيد الفطر . وكانا عند فرارهما ، يوم قتل بيدرا ، أطلعا الأمير بنخاص « a » الزّيني - مملوك الأمير كتبغا نائب السّلطنة - على حالهما ، فأعلم أستاذه بأمرهما ، وتلطّف به حتى تحدّث في شأنهما مع السّلطان ، فعفا عنهما . ثم تحدّث مع الأمير بكتاش الفخري إلى أن ضمن له التّحدّث مع الأمراء ، وسعى في الصّلح بينهما / وبين الأمراء والمماليك حتى زالت الوحشة ، وظهر من بيت الأمير كتبغا ، فأحضرهما بين يدي السّلطان ، وقبّلا الأرض ، وأفيضت عليهما التّشاريف ، وجعلهما أمراء على عادتهما ، ونزلا إلى دورهما ، فحمل إليهما الأمراء ما جرت العادة به من التّقادم . فلم يزل قراسنقر على إمرته إلى أن خلع الملك الناصر محمد بن قلاوون من السّلطنة ، وقام من بعده الملك العادل زين الدّين كتبغا ، فاستمرّ على حاله إلى أن ثار الأمير حسام الدّين لا جين ، نائب السّلطنة بديار مصر ، على الملك العادل كتبغا بمنزله العوجاء من طريق دمشق . فركب معه قراسنقر وغيره من الأمراء إلى أن فرّ كتبغا ، واستمرّ الأمر لحسام الدّين لا جين ، وتلقّب ب « الملك المنصور » . فلمّا استقرّ بقلعة الجبل ، خلع على الأمير قراسنقر ، وجعله نائب السّلطنة بديار مصر في صفر سنة ستّ وتسعين وستّ مائة . فباشر النيابة إلى يوم الثلاثاء للنصف من ذي القعدة فقبض عليه ، وأحيط بموجوده وحواصله ونوّابه ودواوينه بديار مصر والشّام ، وضيّق عليه ، واستقرّ في نيابة السّلطنة بعده الأمير منكوتمر . وعدّ السّلطان من أسباب القبض عليه إسرافه في الطمع ، وكثرة الحمايات ، وتحصيل الأموال على سائر الوجوه ، مع كثرة ما وقع من شكاية الناس من مماليكه ، ومن كاتبه شرف الدّين
--> ( a ) بولاق : بيخاص .