المقريزي
560
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
يعقوب ، فإنّه كان قد تحكّم في بيته تحكّما زائدا ، وعظمت نعمته ، وكثرت سعادته ، وأسرف في اتّخاذ المماليك والخدم ، وانهمك في اللعب الكثير ، وتعدّى طوره ، وقراسنقر لا يسمع فيه كلاما . وحدّثه السّلطان بسببه ، وأغلظ في القول ، وألزمه بضربه وتأديبه أو إخراجه من عنده ، فلم يعبأ بذلك . وما زال قراسنقر في الاعتقال إلى أن قتل الملك المنصور لا جين ، وأعيد الملك الناصر محمد ابن قلاوون إلى السّلطنة ، فأفرج عنه وعن غيره من الأمراء ، ورسم له بنيابة الصّبيبة . فخرج إليها ، ثم نقل منها إلى نيابة حماه بعد موت صاحبها الملك المظفّر تقيّ الدّين محمود ، بسفارة الأمير بيبرس الجاشنكير والأمير سلار . ثم نقل من نيابة حماه بعد ملاقاة التّتر إلى نيابة حلب . واستقرّ عوضه في نيابة حماه الأمير زين الدّين كتبغا ، الذي تولّى سلطنة مصر والشّام ، وذلك في سنة تسع وتسعين وستّ مائة ، وشهد وقعة شقحب مع الملك الناصر محمد بن قلاوون . ولم يزل على نيابة حلب إلى أن خلع الملك الناصر ، وتسلطن الملك المظفّر بيبرس الجاشنكير ، وكان « a » الناصر في الكرك ، فلمّا تحرّك لطلب الملك واستدعى نوّاب الممالك ، أجابه قراسنقر ، وأعانه برأيه وتدبيره ، ثم حضر إليه وهو بدمشق ، وقدّم له شيئا كثيرا ، وسار معه إلى مصر حتى جلس على تخت ملكه بقلعة الجبل ، فولّاه نيابة دمشق ، عوضا عن الأمير عزّ الدّين الأفرم ، في شوّال سنة تسع وسبع مائة . وخرج إليها ، فسار إلى غزّة في عدّة من النوّاب ، وقبضوا على المظفّر بيبرس الجاشنكير ، وسار به هو والأمير سيف الدّين الحاج بهادر إلى الخطارة ، فتلقّاهم الأمير أسندمر كرجي ، فتسلّم منهم بيبرس ، وقيّده وأركبه بغلا ، وأمر قراسنقر والحاج بهادر بالسّير إلى مصر . فشقّ على قراسنقر تقييد بيبرس ، وتوهّم الشّرّ من الناصر ، وانزعج لذلك انزعاجا كبيرا ، وألقى كلّوتته عن رأسه إلى الأرض ، وقال : « b » « لعن اللّه الدّنيا « b » ، يا ليتنا متنا ولا رأينا هذا اليوم » ، فترجّل من حضر من الأمراء ، ورفعوا كلّوتته ووضعوها على رأسه . ورجع من فوره ، ومعه الحاج بهادر ، إلى ناحية الشّام ، وقد ندم على تسليم « c » المظفّر بيبرس ، فجدّ في سيره إلى أن عبر دمشق . وفي نفس السّلطان منه كونه لم يحضر مع بيبرس ، وكان قد أراد القبض عليه ، فبعث الأمير نوغاى القبجاقي أميرا بالشّام ليكون له عينا على الأمير قراسنقر ،
--> ( a ) بولاق : صاحب . ( b - b ) في بولاق : لفراشه الدنيا فانية . ( c ) بولاق : تشييع .