المقريزي
مقدمة 90
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وكانت أماكن إعاشة المتصوّفة في الغالب جزءا من الخانكاه ، ولكن في بعض الحالات كان يطلق عليها « الرّباط » مثلما ورد في حجّة وقف السّلطان النّاصر محمد بن قلاوون على خانكاه سرياقوس ، فقد حدّدت هذه الحجّة بوضوح أنّ الخانكاه هي « مكان اجتماع الصّوفيّة لممارسة وظيفة التّصوّف من تهليل وأذكار وتسبيح واستغفار » ، بينما ذكرت أنّ الموضع الذي أطلقت عليه « الرّباط » والمشتمل على ستين بيتا « جعل مأوى للفقراء الواردين إليه ، والرّباطات الباقيات المشتمل كلّ منهما على أحد وعشرين بيتا جعلت برسم سكنى الفقراء الصّوفيّة المقيمين بهذا المكان على الدّوام والاستمرار » « 1 » . وبدأت الخوانك منذ مطلع القرن الثامن الهجري / الرابع عشر الميلادي بإيعاز من طبقة العلماء ، المرتابين في الصّوفيّة والتّصوّف ، بإفساح مساحة لتدريس العلوم الدّينية ، هكذا عيّن شيخ لتدريس علوم الحديث لثلاثين طالبا في خانكاه بيبرس الجاشنكير . ومع إنشاء « المدرسة المهمنداريّة » سنة 725 ه / 1325 م جمعت المدرسة لأوّل مرّة بين وظيفة المدرسة ووظيفة الخانكاه ، بحيث أصبح الطّلبة هم أنفسهم المتصوّفة . وأشير إلى بعض هذه المؤسّسات على أنّها خوانك يدرّس بها الفقه ، وإلى بعضها الآخر باعتباره مدارس اشترط على طلبتها حضور وظيفة التّصوّف . وقد اتّضح هذا الأنموذج على الأخصّ مع مدرسة وخانكاه الظّاهر برقوق التي أشرت إليها منذ قليل ( فيما تقدم 85 * - 86 * ) . وعلى خلاف الخانكاه والرّباط ، كانت « الزّاوية » تنشأ في الغالب برسم شخص معيّن ينقطع فيها للعبادة ، أو برسم شيخ يمثّل « طريقة صوفيّة » معيّنة ؛ وعند وفاة الشّيخ كان يخلفه فيها شيخ من « الطّريقة » نفسها . ومع تراجع دور الخوانك آلت بعض وظائفها إلى الزّوايا ، وظهر لذلك نمطان من الزّوايا في القرن التاسع الهجري / الخامس عشر الميلادي : - الزّاوية التّقليدية التي تنشأ من أجل طريقة صوفيّة معيّنة يتمّ تمويلها بواسطة الشّيخ نفسه أو بواسطة أحد المماليك أو الأعيان ، وعادة ما ترتبط هذه الزّوايا بالطّبقة الحاكمة . - الزّاوية التي تؤدّي أيضا دور المسجد أو الرّباط والمستقلّة نسبيّا عن الطّبقة
--> ( 1 ) محمد محمد أمين : المرجع السابق 221 .