المقريزي
395
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
غد . فبات كثير منهم بباب القصر ، واجتمعوا من الغد فصاحوا وضجّوا . فخرج إليهم قائد القوّاد غبن « ( a » فنهاهم ، وأمرهم عن أمير المؤمنين الحاكم بأمر اللّه أن يمضوا إلى معايشهم . فانصرفوا إلى قاضي القضاة مالك بن سعيد الفارقي وشكوا إليه ، فتبرّم من ذلك ، فمضوا وفيهم من يسبّ السّلف ، ويعرّض بالنّاس . فقرئ سجلّ في القصر بالتّرحّم على السّلف من الصّحابة ، والنّهي عن الخوض في ذلك . وركب مرّة فرأى لوحا على قيساريّة فيه سبّ السّلف ، فأنكره ، وما زال واقفا حتى قلع ، وضرب بالجرس « ( b » في سائر طرقات مصر والقاهرة . وقرئ سجلّ بتتبّع الألواح المنصوبة على سائر أبواب القياسر والحوانيت والدّور والخانات والأرباع ، المشتملة على ذكر الصّحابة والسّلف الصّالح - رحمهم اللّه - بالسّبّ واللّعن ، وقلع ذلك وكسره وتقفية أثره ، ومحو ما على الحيطان من هذه الكتابة ، وإزالة جميعها من سائر الجهات حتى لا يرى لها أثر في جدار ولا نقش في لوح ، وحذّر فيه من المخالفة ، وهدّد بالعقوبة . ثم انتقض ذلك كلّه ، وعاد الأمر إلى ما كان عليه « 1 » . إلى أن قتل الخليفة الآمر بأحكام اللّه أبو عليّ منصور بن المستعلي باللّه أبي القاسم أحمد ابن المستنصر باللّه أبي تميم معدّ ، وثار أبو عليّ أحمد الملقّب كتيفات - بن الأفضل شاهنشاه بن أمير الجيوش ، واستولى على الوزارة في سنة أربع وعشرين وخمس مائة وسجن الحافظ لدين اللّه أبا الميمون عبد المجيد ابن الأمير أبي القاسم محمد ابن الخليفة المستنصر باللّه ، وأعلن بمذهب الإمامية ، والدّعوة للإمام المنتظر ، وضرب دراهم نقشها « اللّه الصّمد . الإمام محمّد » « 2 » . ورتّب في سنة خمس وعشرين أربعة قضاة : اثنان : أحدهما إماميّ والآخر إسماعيليّ ، واثنان : أحدهما مالكيّ والآخر شافعيّ ، فحكم كلّ منهما بمذهبه ، وورّث على مقتضاه ، وأسقط ذكر إسماعيل بن جعفر الصّادق ، وأبطل من الأذان « حيّ على خير العمل » وقولهم : « محمّد وعليّ خير البشر » « 3 » . فلمّا قتل في المحرّم سنة ستّ وعشرين ، عاد الأمر إلى ما كان عليه من مذهب الإسماعيلية .
--> ( a بولاق : عين . ( b بولاق : الحرس . ( 1 ) المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 98 . ( 2 ) انظر فيما تقدم 2 : 349 ، وهذا المجلد 201 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 140 - 141 . ( 3 ) ابن ميسر : أخبار مصر 115 - 116 ؛ النويري : نهاية الأرب 28 : 297 ، المقريزي : المقفى الكبير 1 : 397 ، 395 ، اتعاظ الحنفا 3 : 142 ، 143 ؛ ابن حجر : رفع -