المقريزي

372

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وجاء إلى أهل المدينة من جميع الأمصار ، فأتوا عثمان - رضي اللّه عنه - في سنة خمس وثلاثين ، وأعلموه ما أرسل به أهل الأمصار من شكوى عمّالهم . فبعث محمد بن مسلمة إلى الكوفة ، وأسامة بن زيد إلى البصرة ، وعمّار بن ياسر إلى مصر ، وعبد اللّه بن عمر إلى الشّام لكشف سير العمّال . فرجعوا إلى عثمان ، إلّا عمّارا ، وقالوا : ما أنكرنا شيئا . / وتأخّر عمّار ، فورد الخبر إلى المدينة بأنّه قد استماله عبد اللّه ابن السّوداء في جماعة . فأمر عثمان عمّاله أن يوافوه بالمواسم ، فقدموا عليه واستشاروه ، فكلّ أشار برأي . ثم قدم المدينة بعد الموسم ، فكان بينه وبين عليّ بن أبي طالب كلام فيه بعض الجفاء بسبب إعطائه أقاربه ، ورفعه لهم على ما سواهم . وكان المنحرفون عن عثمان قد تواعدوا يوما يخرجون فيه بأمصارهم إذا سار عنها الأمراء ، فلم يتهيّأ لهم الوثوب . وعندما رجع الأمراء من الموسم ، تكاتب المخالفون في القدوم إلى المدينة لينظروا فيما يريدون . وكان أمير مصر من قبل عثمان - رضي اللّه عنه - عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح العامري ، فلمّا خرج في شهر رجب من مصر في سنة خمس وثلاثين ، استخلف بعده عقبة بن عامر الجهني في قول اللّيث بن سعد . وقال يزيد بن أبي حبيب : بل استخلف على مصر السّائب بن هشام العامري ، وجعل على الخراج سليم بن عنز التّجيبي . « 1 » فانتزى محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف ، في شوّال من السنة المذكورة ، وأخرج عقبة بن عامر من الفسطاط ، ودعا إلى خلع عثمان - رضي اللّه عنه - وأسعر البلاد ، وحرّض على عثمان بكلّ شيء يقدر عليه . فكان يكتب الكتاب على لسان أزواج رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم - ويأخذ الرّواحل فيضمّرها ، ويجعل رجالا على ظهور البيوت ووجوههم إلى وجه الشّمس لتلوّح وجوههم تلويح المسافر ، ثم يأمرهم أن يخرجوا إلى طريق المدينة بمصر ، ثم يرسلون رسلا يخبرون بهم النّاس ليلقوهم . وقد أمرهم إذا لقيهم النّاس أن يقولوا : ليس عندنا خبر ، الخبر في الكتب . فيجيء رسول أولئك الذين دسّ فيذكر مكانهم ، فيلقاهم ابن أبي حذيفة - والنّاس يقولون نتلقّى رسل أزواج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم - فإذا لقوهم قالوا لهم : ما الخبر ؟ قالوا : لا خبر عندنا ، عليكم بالمسجد ليقرأ عليكم كتب « ( a » أزواج النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم . فيجتمع النّاس في المسجد

--> ( a بولاق : كتاب . ( 1 ) من هنا يتبع المقريزي نصّ الكندي في كتاب « ولاة مصر » في الفصل الذي سمّاه « انتزاء محمد بن أبي حذيفة » .