المقريزي
249
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
الفخر هذا هو محمّد بن فضل اللّه القاضي فخر الدّين ، ناظر الجيش المعروف بالفخر « 1 » - كان في نصرانيته متألّها ثم أكره على الإسلام ، فامتنع وهمّ بقتل نفسه وتغيّب أيّاما ثم أسلم وحسن إسلامه ، وأبعد النّصارى ولم يقرّب أحدا منهم ، وحجّ غير مرّة ، وتصدّق في آخر عمره مدّة في كلّ شهر بثلاثة آلاف درهم نقرة . وبنى عدّة مساجد بديار مصر ، وأنشأ عدّة أحواض ماء للسّبيل في الطّرقات ، وبنى مارستانا بمدينة الرّملة ومارستانا بمدينة بلبيس ، وفعل أنواعا من الخير ، وكان حنفيّ المذهب ، وزار القدس عدّة مرار ، وأحرم مرّة من القدس بالحجّ ، وسار إلى مكّة محرما ، وكان إذا خدمه أحد مرّة واحدة صار صاحبه طول عمره . وكان كثير الإحسان ، لا يزال في قضاء حوائج النّاس ، مع عصبيّة شديدة لأصحابه . وانتفع به خلق كثير لوجاهته عند السّلطان وإقدامه عليه . بحيث لم يكن لأحد من أمراء الدّولة عند الملك النّاصر محمد بن قلاوون ما له من الإقدام ، ولقد قال السّلطان مرّة لجندي طلب منه إقطاعا : لا تطوّل ، واللّه لو أنّك ابن قلاوون ما أعطاك القاضي فخر الدّين خبزا يغل أكثر من ثلاثة آلاف درهم . وقال له السّلطان في يوم من الأيّام - وهو بدار العدل - يا فخر الدّين تلك القضيّة طلعت فاشوش ، فقال له : ما قلت لك إنّها عجوز نحس [ وتكذب ] « ( a » ، يريد بذلك بنت كوكاي امرأة السّلطان عندما ادّعت أنّها حبلى . وله من الأخبار كثير ، وكان أوّلا كاتب المماليك السّلطانية ، ثم صار من كتابة المماليك إلى وظيفة نظر الجيش ، ونال من الوجاهة ما لم ينله غيره في زمانه . وكان الأمير أرغون ، نائب السّلطنة بديار مصر ، يكرهه ، وإذا جلس للحكم يعرض عنه ويدير كتفه إلى وجه الفخر . فعمل عليه الفخر حتى سار للحجّ ، فقال للسّلطان : يا خوند ، ما يقتل
--> ( a زيادة من أعيان العصر مصدر النّقل . - وجدّد هذا الجامع في سنة 1218 ه / 1803 م محمد بك طاهر بن أحمد باشا طاهر كما هو مذكور في اللّوح المثبت بأعلى باب الجامع . ( أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 9 : 201 ه 2 ) . ( 1 ) انظر ترجمته كذلك عند ، الصفدي : أعيان العصر 5 : 53 - 58 ( مصدر المقريزي ) ، الوافي بالوفيات 4 : 335 - 337 ؛ المقريزي : السلوك 2 : 354 ، المقفى الكبير 6 : 516 - 520 ؛ ابن حجر : الدرر الكامنة 4 : 255 - 256 ؛ أبي المحاسن : النجوم الزاهرة 9 : 295 ، الدليل الشافي 673 - 674 .