المقريزي

178

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الأوقاف حتّى تلف بذلك سائر ما كان في قرافتي مصر من التّرب ، وجميع ما كان من الدّور الجليلة والمساكن الأنيقة بمصر الفسطاط ، ومنشأة المهراني ومنشأة الكتّاب ، وزربيّة قوصون ، وحكر ابن الأثير ، وسويقة الموفّق ، وما كان في الحكورة من ذلك ، وما كان بالجوّانيّة والعطوفيّة وغيرها من حارات القاهرة وغيرها . فكان ما ذكر أحد أسباب الخراب كما هو مذكور في موضعه من هذا الكتاب « 1 » . الجهة الثّالثة « الأوقاف الأهليّة » : وهي التي لها ناظر خاصّ ؛ إمّا من أولاد الواقف أو من ولاة السّلطان أو القاضي . وفي هذه الجهة الخوانك والمدارس والجوامع والتّرب ، وكان متحصّلها قد خرج عن الحدّ في الكثرة لما حدث في الدّولة التّركيّة من بناء المدارس والجوامع والتّرب وغيرها ، وصاروا يفردون أراضي من أعمال مصر والشّامات وفيها بلاد مقوّرة « ( a » « 2 » ، ويقيمون صورة يتملّكونها بها ، ويجعلونها وقفا على مصارف كما يريدون . فلمّا استبدّ الأمير برقوق بأمر بلاد مصر ، قبل أن يتلقّب باسم السّلطنة ، همّ بارتجاع هذه البلاد ، وعقد مجلسا فيه شيخ الإسلام سراج الدّين عمر بن رسلان البلقيني ، وقاضي القضاة بدر الدّين محمد بن أبي البقاء وغيره ، فلم يتهيّأ له ذلك . فلمّا جلس على تخت الملك صار أمراؤه يستأجرون هذه النّواحي من جهات الأوقاف ، ويؤجّرونها للفلّاحين بأزيد ممّا استأجروا . فلمّا مات الظّاهر فحش الأمر في ذلك ، واستولى أهل الدّولة على جميع الأراضي الموقوفة بمصر والشّامات ، وصار أجودهم من يدفع فيها لمن يستحق ريعها عشر ما يحصل له ، وإلّا فكثير منهم لا يدفع شيئا ألبتّة ، لا سيّما ما كان من ذلك في بلاد الشّام ، فإنّه استهلك وأخذ . ولذلك كان أسوأ النّاس حالا في هذه المحن التي حدثت منذ سنة ستّ وثمان مائة الفقهاء ، لخراب الموقوف عليهم وبيعه ، واستيلاء أهل الدّولة على الأراضي « 3 » .

--> ( a بولاق : بلاد مقرّرة . ( 1 ) واضح من هذا النّصّ ونصوص أخرى أنّ المقريزي كتب الفصل الذي ذكر فيه « أسباب الخراب » بدليل إحالته إليه في كثير من المواضع . ( انظر فيما تقدم 1 : 54 * ) . ( 2 ) انظر عن البلاد المقوّرة فيما تقدم 1 : 223 ه 1 . ( 3 ) محمد محمد أمين : الأوقاف 116 - 119 .