المقريزي

179

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

الجامع بجوار تربة الشّافعيّ بالقرافة هذا الجامع كان مسجدا صغيرا ، فلمّا كثر النّاس بالقرافة الصّغرى ، عندما عمّر السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب المدرسة بجوار قبر الإمام الشّافعيّ - رضي اللّه عنه - وجعل لها مدرّسا وطلبة « 1 » زاد الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيّوب في المسجد المذكور ، ونصب به منبرا ، وخطب فيه ، وصلّيت الجمعة به في سنة سبع وستّ مائة . جامع محمود بالقرافة هذا المسجد قديم ، والخطبة فيه متجدّدة ، وينسب لمحمود بن سالم بن مالك الطّويل ، من أجناد السّريّ بن الحكم أمير مصر بعد سنة مائتين من الهجرة « 2 » . قال القضاعيّ : المسجد المعروف بمحمود ، يقال إنّ محمودا هذا كان رجلا جنديّا من جند السّريّ بن الحكم أمير مصر ، وإنّه هو الذي بنى هذا المسجد . وذلك أنّ السّريّ بن الحكم ركب يوما فعارضه رجل في طريقه فكلّمه ووعظه بما غاظه ، فالتفت عن يمينه فرأى محمودا فأمره بضرب عنق / الرجل ، ففعل . فلمّا رجع محمود إلى منزله تفكّر وندم ، وقال : رجل يتكلّم بموعظة بحقّ فيقتل بيدي وأنا طائع غير مكره على ذلك ! فهلّا امتنعت ؟ وكثر أسفه وبكاؤه ، وآلى على نفسه أن يخرج من الجنديّة ولا يعود فيها ، ولم ينم ليلته من الغمّ والنّدم . فلمّا أصبح غدا إلى السّرىّ فقال له : إنّي لم أنم في هذه الليلة على قتل الرّجل ، وأنا أشهد اللّه - عزّ وجلّ - وأشهدك أنّي لا أعود في الجنديّة ، فأسقط اسمي منهم ، وإن أردت نعمتي فهي بين يديك . وخرج من بين يديه ، وحسنت توبته ، وأقبل على العبادة ، واتّخذ

--> ( 1 ) انظر فيما يلي 631 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 6 : 54 - 55 ؛ السّيوطي : حسن المحاضرة 2 : 257 - 259 . ( 2 ) الموفق بن عثمان : مرشد الزوار 428 ، 603 وفيه : وهو صاحب الجامع الذي بسفح المقطّم .