المقريزي
177
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وكانت جهة عامرة يتحصّل منها أموال جمّة ، فيصرف منها لأهل الحرمين أموال عظيمة في كلّ سنة ، تحمل من مصر إليهم مع من يثق به قاضي القضاة ، وتفرّق هناك صررا ، ويصرف منها أيضا بمصر والقاهرة لطلبة العلم ولأهل السّتر وللفقراء شيء كثير ، إلّا أنّها اختلّت وتلاشت في زمننا هذا ، وعمّا قليل إن دام ما نحن فيه لم يبق لها أثر ألبتّة « 1 » . وسبب ذلك أنّه ولي قضاء الحنفيّة كمال الدّين عمر بن العديم « 2 » في أيّام الملك النّاصر فرج ، وولاية الأمير جمال الدّين يوسف [ الأستادّار ] « ( a » تدبير الأمور والمملكة ، فتظاهرا معا على إتلاف الأوقاف . فكان جمال الدّين إذا أراد أخذ وقف من الأوقاف ، أقام شاهدين يشهدان بأنّ هذا المكان يضرّ بالجار والمارّ ، وأنّ الحظّ « b ) » والمصلحة « ( b » فيه أن يستبدل به غيره فيحكم له قاضي القضاة كمال الدّين عمر بن العديم باستبدال ذلك « 3 » . وشره جمال الدّين في هذا الفعل كما شره في غيره ، فحكم له المذكور باستبدال القصور العامرة والدّور الجليلة بهذه الطّريقة . والنّاس على دين ملكهم . فصار كلّ من يريد بيع وقف أو شراء وقف ، سعى عند القاضي المذكور بجاه أو مال ، فيحكم له بما يريد من ذلك . واستدرج غيره من القضاة إلى نوع آخر ، وهو أن تقام شهود القيمة فيشهدون بأنّ هذا الوقف ضارّ بالجار والمارّ ، وأنّ الحظّ والمصلحة في بيعه أنقاضا . فيحكم قاض شافعي المذهب ببيع تلك الأنقاض . واستمرّ الأمر على هذا إلى وقتنا هذا الذي نحن فيه ، ثم زاد بعض سفهاء قضاة زمننا في المعنى ، وحكم ببيع المساجد الجامعة إذا خرب ما حولها ، وأخذ ذرّيّة واقفها ثمن أنقاضها ، وحكم آخر منهم ببيع الوقف ودفع الثّمن لمستحقّه من غير شراء بدل . فامتدّت الأيدي لبيع
--> ( a زيادة اقتضاها السياق . ( b - b ساقطة من بولاق . ( 1 ) راجع كذلك محمد محمد أمين : الأوقاف 113 - 116 . ( 2 ) القاضي كمال الدّين أبو حفص عمر بن إبراهيم ابن العديم الحلبي الحنفي ، المتوفى سنة 811 ه / 1408 م . قال المقريزي : « كان من شرّ قضاة مصر حمقا ورقاعة وجراءة وإقداما وحدّة . . . وقحا فحّاشا جسورا على الاستبدال بالأوقاف ، بحيث أتى هو وشيخه الملطي ، ثم هو وابنه ، على إتلاف معظم أوقاف القاهرة ومصر ، تقرّبا لأهل الدّولة وحواشيهم بما يحبّون . . . ولقد كانت بيني وبينه صحبة أكيدة ، وكان لي معظّما يبادر إلى قضاء حوائجي ولا يردّ لي قولا ، إلّا أنّ الحقّ أحقّ أن يتّبع » . ( درر العقود الفريدة 2 : 428 - 429 ؛ ابن حجر : إنباء الغمر 2 : 411 - 412 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 13 : 171 ؛ السخاوي : الضوء اللامع 6 : 65 - 66 ) . ( 3 ) انظر عن الاستبدال فيما تقدم 3 : 201 ه 1 .