المقريزي
158
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
فلمّا كان يوم الثلاثاء رابع عشر ذي القعدة سنة أربع وعشرين وخمس مائة ، وثب جماعة على الآمر وقتلوه كما ذكر عند خبر الهودج « 1 » . وكان كريما سمحا إلى الغاية ، كثير النّزهة ، محبّا للمال والزّينة ؛ وكانت أيّامه كلّها لهوا وعيشة راضية لكثرة عطائه وعطاء حواشيه ، بحيث لم يوجد بمصر والقاهرة إذ ذاك من يشكو زمانه ألبتّة إلى أن نكّد بالرّاهب على النّاس ، فقبحت سيرته وكثر ظلمه واغتصابه للأموال . وفي أيّامه ملك الفرنج كثيرا من المعاقل والحصون بسواحل الشّام . فملكت عكّا في شعبان سنة سبع وتسعين ، وعرقة « ( a » في رجب سنة اثنتين وخمس مائة ، وطرابلس في ذي الحجّة منها ، وبانياس وجبيل وقلعة تبنين فيها أيضا ، وملكوا صور في سنة ثمان عشرة وخمس مائة « 2 » . وكثرت المرافعات في أيّامه ، وأحدثت رسوم لم تكن ، وعمّر الهودج بالرّوضة ودكّة ببركة الحبش ، وعمّر تنّيس ودمياط ، وجدّد قصر القرافة . وكانت نفسه تحدّثه بالسّفر والغارة إلى بغداد ، ومن شعره في ذلك « 3 » : [ الطويل ] دع اللّوم عنّي لست منّي بموثق * فلا بدّ لي من صدمة المتحقّق وأسقي جيادي من فرات ودجلة * وأجمع شمل الدّين بعد التّفرّق وقال : [ الطويل ] أما والذي حجّت إلى ركن بيته * جراثيم ركبان مقلّدة شهبا لأقتحمنّ الحرب حتّى يقال لي * ملكت زمام الحرب فاعتزل الحربا وينزل روح اللّه عيسى بن مريم * فيرضى بنا صحبا ونرضى به صحبا وكان أسمر شديد السّمرة ، يحفظ القرآن ويكتب خطّا ضعيفا . وهو الذي جدّد رسوم الدّولة وأعاد إليها بهجتها بعد ما كان الأفضل أبطل ذلك ونقل الدّواوين والأسمطة من القصر بالقاهرة إلى دار الملك بمصر ، كما ذكر هناك « 4 » .
--> ( a بولاق : غزة . ( 1 ) فيما تقدم 2 : 580 ، 3 : 581 . ( 2 ) راجع ، أيمن فؤاد : المرجع السابق 229 - 230 . ( 3 ) ابن ميسر : أخبار مصر 112 ؛ ابن الطوير : نزهة المقلتين 19 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 2 : 132 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 4 : 196 ، وفيما تقدم 2 : 383 . ( 4 ) فيما تقدم 2 : 573 - 576 .