المقريزي

122

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

وللسّلطان أن يحكم فيها بعلمه ، ويبطل ما قرّره من عند أنفسهم . قال : وكيف يحكم لنفسه ؟ قيل له : ليس هذا حكما لنفسه لأنّه مقرّ بأصل الوقف ، وهو للمستحقّين ليس له فيه شيء ، وإنّما بطل وصف الوقف ، وهو المصرف الذي قرّر على غير جهة الوقف . وله أن يوقع الشّهادة على نفسه ، بحكم أنّ مصرف هذا الوقف الجهة الفلانيّة دون الفلانيّة . ولم يزالوا يذكرون له أوجها تبيّن بطلان الوقف إمّا بأصله أو بوصفه ، إلى أن قال : يبطل بوصفه دون أصله . وأذعن لذلك بعد إتعاب من العلماء ، وانزعاج « ( a » شديد من السّلطان في بيان وجوه ذكرها « ( b » تبيّن وجه الحقّ ، وأنّه إنّما وقفه على مصارف « ( c » الجامع المذكور . وهذا ممّا لا يشكّ فيه عاقل ولا يرتاب . فالتفت بعد ذلك وقال للحاضرين : كيف نعمل في إبطاله ؟ فقالوا : بما قرّرناه من إشهاد السّلطان على نفسه بتفصيل صحيح ، وأنّه لم يزل كذلك منذ صدر منه الوقف إلى هذا الحدّ وغير ذلك من الوجوه . فجعل يوهم السّلطان أنّ الشّهود الذين شهدوا في هذا الوقف ، متى بطل هذا الوقف ثبت عليهم التّساهل ، وجرّحوا بذلك ، وقدح ذلك في عدالتهم ، ومتى جرّحوا الآن ، لزم بطلان شهادتهم في الأوقاف المتقدّمة على هذا التاريخ . وخيّل بذلك للسّلطان حتى ذكر له إجماع المسلمين على أنّ جرح الشّاهد لا ينعطف على ما مضى من شهاداته السّالفة ، ولو كفر - والعياذ باللّه - وهذا ممّا لا خلاف فيه . ثم استقرّ رأيه على أن يبطله بشاهدين يشهدان أنّ السّلطان لمّا صدر منه هذا الوقف كان قد اشترط لنفسه التّغيير والتّبديل والزّيادة والنّقص ، وقام على ذلك . قال كاتبه « ( d » : انظر تثبّت القضاة ، وقايس بين هذه الواقعة وما كان من تثبّت القاضي تاج الدّين المناوي - وهو يومئذ خليفة الحكم - ومصادمته الجبال ، وبين ما ستقف عليه من التّساهل والتّناقض في خبر أوقاف مدرسة جمال الدّين يوسف الأستادّار « 1 » ، وميّز بعقلك فرق ما بين القضيّتين . وهذه الأرض التي ذكرت ، هي الآن بيد أولاد الهرماس ، بحكم « e ) » ما في « ( e » الكتاب

--> ( a بولاق : إزعاج . ( b بولاق : ذكروها . ( c بولاق : مصالح . ( d بولاق : مؤلّفه . ( e - e ساقطة من بولاق . ( 1 ) فيما يلي 644 - 647 .