المقريزي

89

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

أصواتهم بذكر اللّه سبحانه من غير آلات - فإنّ الآلات كانت ممّا يختصّ ببيت المقدس فقط ، وقد نهوا عن ضربها في غير البيت - فيتسامع من في قرى « ( a » بيت المقدس ، فيقوم في كلّ قرية رجال يرفعون أصواتهم بذكر اللّه تعالى حتى يعمّ الصّوت بالذّكر جميع قرى بني إسرائيل ومدنهم . وما زال الأمر على ذلك في كلّ ليلة إلى أن خرّب بخت نصّر بيت المقدس ، وجلّا بني إسرائيل إلى بابل ، فبطل هذا العمل وغيره من بلاد بني إسرائيل مدّة جلائهم في بابل سبعين سنة . فلمّا عاد بنو إسرائيل من بابل وعمّروا البيت العمارة الثّانية ، أقاموا شرائعهم ، وعاد قيام بني لاوي بالبيت في اللّيل ، وقيام أهل محالّ القدس وأهل القرى والمدن على ما كان العمل / عليه أيّام عمارة البيت الأوّل « ( b » . واستمرّ ذلك إلى أن خرب القدس بعد قتل نبيّ اللّه يحيى ابن زكريّا ، وقيام اليهود على روح اللّه ورسوله عيسى بن مريم - صلوات اللّه عليهم - على يد طيطش ، فبطلت شرائع بني إسرائيل من حينئذ ، وبطل هذا القيام فيما بطل من بلاد بني إسرائيل . وأمّا في الملّة الإسلامية ، فكان ابتداء هذا العمل بمصر وسببه أنّ مسلمة بن مخلد أمير مصر بنى منارا لجامع عمرو بن العاص واعتكف فيه ، فسمع أصوات النّواقيس عالية ، فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذّنين . فقال : إنّى أمدّد الأذان من نصف الليل إلى قرب الفجر ، فانههم أيّها الأمير أن ينقسوا إذا أذّنت . فنهاهم مسلمة عن ضرب النّواقيس وقت الأذان ، ومدّد شرحبيل ومطّط أكثر اللّيل « 1 » . ثم إنّ الأمير أبا العبّاس أحمد بن طولون كان قد جعل ، في حجرة تقرب منه ، رجالا تعرف بالمكبّرين ، عدّتهم اثنا عشر رجلا ، يبيت في هذه الحجرة كلّ ليلة أربعة يجعلون اللّيل بينهم عقبا . فكانوا يكبّرون ويسبّحون ويحمّدون اللّه سبحانه في كلّ وقت ، ويقرأون القرآن بألحان ، ويتوسّلون ويقولون قصائد زهدية ، ويؤذّنون في أوقات الأذان ، وجعل لهم أرزاقا واسعة تجرى عليهم .

--> ( a بولاق : فيتسامع من قرية . ( b بولاق : الأولى . ( 1 ) فيما تقدم 83 .