المقريزي
50
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وخالفت القبط أيضا برشيد ، فبعث إليهم مروان بن محمد الحمار - لمّا دخل مصر فارّا من بني العبّاس - عثمان بن أبي نسعة « ( a » فهزمهم « 1 » . وخرج القبط على يزيد بن حاتم بن قبيصة بن المهلّب بن أبي صفرة أمير مصر بناحية سخا ، ونابذوا العمّال ، وأخرجوهم في سنة خمسين ومائة ، وصاروا إلى شبرا سنباط ، وانضمّ إليهم أهل البشرود والأوسيّة والبجوم « ( b » . فأتى الخبر يزيد بن حاتم ، فعقد لنصر بن حبيب المهلّبي على أهل الدّيوان ووجوه أهل مصر ، فخرجوا إليهم ، فبيّتهم « ( c » القبط وقتلوا من المسلمين ، فألقى المسلمون النّار في عسكر القبط ، وانصرف العسكر إلى مصر منهزما « 2 » . وفي ولاية موسى بن عليّ بن رباح على مصر ، خرج القبط ببلهيب في سنة ستّ وخمسين ومائة ، فخرج إليهم عسكر فهزمهم « 3 » . ثم نقضت القبط في جمادى الأولى سنة ستّ عشرة ومائتين ، مع من نقض من أهل أسفل الأرض من العرب ، وأخرجوا العمّال ، وخلعوا الطّاعة لسوء سيرة العمّال فيهم « 4 » . فكانت بينهم وبين الجيوش حروب امتدّت إلى أن قدم الخليفة عبد اللّه أمير المؤمنين المأمون إلى مصر ، لعشر خلون من المحرّم سنة سبع عشرة ومائتين ، فعقد على جيش بعث به إلى الصّعيد ، وارتحل هو إلى سخا . وأوقع الأفشين بالقبط في ناحية البشرود حتى نزلوا على حكم أمير المؤمنين ، فحكم بقتل الرّجال وبيع النّساء والأطفال ، فبيعوا وسبي أكثرهم . وتتبّع كلّ من يومأ إليه بخلاف ، فقتل ناسا كثيرا ، ورجع إلى الفسطاط في صفر ، ومضى إلى حلوان ، وعاد لثمان عشرة خلت من صفر . فكان مقامه بالفسطاط وسخا وحلوان تسعة وأربعين يوما « 5 » . فانظر - أعزّك اللّه - كيف كانت إقامة الصّحابة إنّما هي بالفسطاط والإسكندرية ، وأنّه لم يكن لهم كثير إقامة بالقرى ، وأنّ النّصارى كانوا متمكّنين من القرى والمسلمون بها قليل ، وأنّهم لم ينتشروا بالنّواحي إلّا بعد عصر الصّحابة والتّابعين ، يتبيّن لك أنّهم لم يؤسّسوا في القرى والنّواحي مساجد .
--> ( a بولاق : سبعة . ( b بولاق : التخوم . ( c بولاق : ولقيهم . ) بولاق : أبو عمرو . ( 1 ) الكندي : ولاة مصر 118 . ( 2 ) نفسه 137 - 138 . ( 3 ) نفسه 141 . ( 4 ) نفسه 214 . ( 5 ) نفسه 216 .