المقريزي
51
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وتفطّن لشيء آخر ، وهو أنّ القبط ما برحوا ، كما تقدّم ، يثبون « ( a » لمحاربة المسلمين دالّة منهم بما هم عليه من القوّة والكثرة . فلمّا أوقع بهم المأمون الوقعة التي قلنا ، / غلب المسلمون على أماكنهم من القرى لما قتلوا منهم وسبوا ، وجعلوا عدّة من كنائس النّصارى مساجد . وكنائس النّصارى مؤسّسة على استقبال المشرق واستدبار المغرب ، زعما منهم أنّهم أمروا باستقبال مشرق الاعتدال ، وأنّه الجنّة لطلوع الشّمس منه . فجعل المسلمون أبواب الكنائس محاريب عندما غلبوا عليها وصيّروها مساجد ، فجاءت موازية لخطّ نصف النّهار ، وصارت منحرفة عن محاريب الصّحابة انحرافا كثيرا يحكم بخطئها وبعدها عن الصّواب كما تقدّم . السّبب الثّالث : تساهل كثير من النّاس في معرفة أدلّة القبلة ، حتى إنّك لتجد كثيرا من الفقهاء لا يعرفون منازل القمر صورة وحسابا ، وقد علم من له ممارسة بالرّياضيات أنّ بمنازل القمر يعرف وقت السّحر وانتقال الفجر في المنازل ، وناهيك بما يترتّب على معرفة ذلك من أحكام الصّلاة والصّيام . وهذه المنازل التي للقمر من بعض ما يستدلّ به على القبلة والطّرقات ، وهي من مبادئ العلم وقد جهلوه ، فمن أعوزه الأدنى أحر به « ( b » أن يجهل ما هو أعلى منه وأدقّ . السّبب الرّابع : الاعتذار بنجم سهيل ، فإنّ كثيرا ما يقع الاعتذار عن مخالفة محاريب المتأخّرين بأنّها بنيت على مقابلة سهيل ، ومن هنا يقع الخطأ . فإنّ هذا أمر يحتاج فيه إلى تحرير ، وهو أنّ دائرة سهيل مطلعها جنوب مشرق الشّتاء قليلا ، وتوسّطها في أوسط الجنوب ، وغروبها يميل عن أوسط الجنوب قليلا . فلعلّ من تقدّم من السّلف أمر ببناء المساجد في القرى على مقابلة مطالع سهيل - ومطلعه في سمت قبلة مصر تقريبا - فجهل من قام بأمر البنيان فرق ما بين مطالع سهيل وتوسّطه وغروبه ، وتساهل فوضع المحراب على مقابلة توسّط سهيل - وهو أوسط الجنوب - فجاء المحراب حينئذ منحرفا عن السّمت الصّحيح انحرافا لا يسوّغ التّوجّه إليه ألبتّة . السّبب الخامس : أنّ المحاريب الفاسدة بديار مصر أكثرها في البلاد الشّمالية التي تعرف بالوجه البحري . والذي يظهر أنّ الغلط دخل على من وضعها من جهة ظنّه أنّ هذه البلاد لها حكم بلاد الشّام . وذلك أنّ بلاد مصر التي في السّاحل كثيرة الشّبه ببلاد الشّام في كثرة أمطارها وشدّة بردها وحسن فواكهها ، فاستطرد الشّبه حتى في المحاريب ووضعها على سمت المحاريب الشّامية ، فجاء شيئا خطأ .
--> ( a بولاق : يثبتون . ( b بولاق : فحريه .