المقريزي
43
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
يمينه ، لكان إنّما يستقبل حينئذ جنوب أرضه ، ولم يستقبل قطّ عين الكعبة ولا جهتها . فوجب - ولابدّ - حمل الحديث على أنّه خاصّ بأهل المدينة والشّام وما على سمت ذلك من البلاد . بدليل أنّ المدينة النّبويّة واقعة بين مكّة وبين أوسط الشّام على خطّ مستقيم ، والجانب الغربي من بلاد الشّام - التي هي أرض المقدس وفلسطين - يكون عن يمين من يستقبل بالمدينة الكعبة ، والجانب الشّرقي - الذي هو حمص وحلب وما والى ذلك - واقع عن يسار من استقبل / الكعبة بالمدينة . والمدينة واقعة في أوسط جهة الشّام على جهة مستقيمة . بحيث لو خرج خطّ من الكعبة ومرّ على استقامة إلى المدينة النّبويّة ، لنفذ منها إلى أوسط جهة الشّام سواء . وكذلك لو خرج خطّ من مصلّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتوجّه على استقامة ، لوقع فيما بين الميزاب من الكعبة وبين الرّكن الشّامي . فلو فرضنا أنّ هذا الخطّ خرق الموضع الذي وقع فيه من الكعبة ومرّ ، لنفذ إلى بيت المقدس على استواء من غير ميل ولا انحراف ألبتّة . وصار موقع هذا الخطّ فيما بين نكباء الشّمال والدّبور وبين القطب الشّمالي ، وهو إلى القطب الشّمالي أقرب وأميل ، ومقابلته ما بين أوسط الجنوب ونكباء الصّبا والجنوب ، وهو إلى الجنوب أقرب . والمدينة النّبويّة مشرّقة عن هذا السّمت ، ومغرّبة عن سمت الجانب الآخر من بلاد الشّام - وهو الجانب الغربي - تغريبا يسيرا . فمن يستقبل مكّة بالمدينة يصير المشرق عن يساره ، والمغرب عن يمينه ، وما بينهما فهو قبلته ، وتكون حينئذ الشّام بأسرها وجملة بلادها خلفه . فالمدينة على هذا في أوسط جهات البلاد الشّاميّة . ويشهد بصدق ذلك ما رويناه من طريق مسلم - رحمه اللّه - عن عبد اللّه بن عمر - رضي اللّه عنهما - قال : رقيت على بيت أختي حفصة ، فرأيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قاعدا لحاجته ، مستقبل الشّام مستدبر القبلة . وله أيضا من حديث ابن عمر : بينا النّاس في صلاة الصّبح ، إذ جاءهم آت فقال : إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة ، وقد أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستدار إلى الكعبة . فهذا - أعزّك اللّه - أوضح دليل أنّ المدينة بين مكّة والشّام على حدّ واحد ، وأنّها في أوسط جهة بلاد الشّام . فمن استقبل بالمدينة الكعبة ، فقد استدبر الشّام . ومن استدبر بالمدينة الكعبة ، فقد استقبل الشّام . ويكون حينئذ الجانب الغربي من بلاد الشّام ، وما على سمته من البلاد ، جهة