المقريزي
44
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
القبلة عندهم أن يجعل الواقف مشرق الصّيف عن يساره ، ومغرب الشّتاء عن يمينه ، فيكون ما بين ذلك قبلته . وتكون قبلة الجانب الشّرقي من بلاد الشّام وما على سمت ذلك من البلدان ، أنّ يجعل المصلّي مغرب الصّيف عن يمينه ، ومشرق الشّتاء عن يساره ، وما بينهما قبلته . ويكون أوسط البلاد الشّامية - التي هي حدّ المدينة النّبويّة - قبلة المصلّي بها أن يجعل مشرق الاعتدال عن يساره ، ومغرب الاعتدال عن يمينه ، وما بينهما قبلة له . فهذا أوضح استدلال على أنّ الحديث خاصّ بأهل المدينة ، وما على سمتها من البلاد الشّامية ، وما وراءها من البلدان المسامتة لها . وهكذا أهل اليمن وما على سمت اليمن من البلاد . فإنّ القبلة واقعة فيما هنالك بين المشرق والمغرب ، لكن على عكس وقوعها في البلاد الشّامية . فإنّه تصير مشارق الكواكب في البلاد الشّاميّة ، التي على يسار المصلّي ، واقعة عن يمين المصلّي في بلاد اليمن . وكذلك كلّ ما كان من المغارب عن يمين المصلّي بالشّام ، فإنّه ينقلب عن يسار المصلّي باليمن . وكلّ من قام ببلاد اليمن مستقبلا الكعبة ، فإنه يتوجّه إلى بلاد الشّام فيما بين المشرق والمغرب . وهذه الأقطار سكّانها هم المخاطبون بهذا الحديث ، وحكمه لازم لهم ، وهم خاصّ بهم دون من سواهم من أهل الأقطار الأخر . ومن أجل حمل هذا الحديث على العموم ، كان السّبب في اختلاف محاريب مصر . السّبب الثّاني في اختلاف محاريب مصر : أنّ الدّيار المصرية لمّا افتتحها المسلمون ، كانت غاصّة « ( a » بالقبط والرّوم مشحونة بهم ، ونزل الصّحابة - رضي اللّه عنهم - من أرض مصر في موضع الفسطاط - الذي يعرف اليوم بمدينة مصر - وبالإسكندرية ، وتركوا سائر قرى مصر بأيدي القبط ، كما تقدّم في موضعه من هذا الكتاب « 1 » . ولم يسكن أحد من المسلمين بالقرى ، وإنّما كانت رابطة تخرج إلى الصّعيد ، حتى إذا جاء أوان الرّبيع انتشر الأتباع في القرى لرعي الدّواب ومعهم طوائف من السّادات . ومع ذلك فكان أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب - رضي اللّه عنه - ينهى الجند عن الزّرع ، ويبعث إلى أمراء الأجناد بإعطاء الرّعيّة أعطياتهم وأرزاق عيالهم ، وينهاهم عن الزّرع . روى الإمام أبو القاسم عبد الرّحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم في كتاب « فتوح مصر » من طريق ابن وهب ، عن حيوة بن شريح ، عن بكر بن عمرو ، عن عبد اللّه بن هبيرة : أنّ عمر ابن
--> ( a بولاق : خاصّة . ( 1 ) فيما تقدم 1 : 80 .