المقريزي

41

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

مسامتة الكعبة ، وذلك كبلاد الشّام وديار مصر . فإنّ البلاد الشّاميّة لها جانبان ، وخطّتها متّسعة مستطيلة في شمال مكّة ، وتمتدّ أكثر من الجزء الخاصّ بها بالنسبة إلى مقدار بعدها عن الكعبة . وفي هذين القطرين يجري ما تقدّم ذكره في أرض البجة . إلّا أن التّيامن والتّياسر ظهوره في البلاد الشّامية أقلّ من ظهوره في أرض البجة ، من أجل بعد البلاد الشّاميّة عن الكعبة وقرب أرض البجة . / وذلك أنّ البلاد الشّاميّة وقعت في متّسع الجزء الخاصّ بها ، فلم يظهر أثر التّيامن والتّياسر ظهورا كثيرا كظهوره في أرض البجة ، لأنّ البلاد الشّاميّة لها جانب شرقيّ وجانب غربيّ ووسط . فجانبها الغربيّ هو أرض بيت المقدس وفلسطين إلى العريش أوّل حدّ مصر ، وهذا الجانب من البلاد الشّاميّة يقابل الكعبة على حدّ مهبّ النّكباء التي بين الجنوب والصّبا . وأمّا جانب البلاد الشّاميّة الشّرقي فإنّه ما كان مشرقا من مدينة دمشق إلى حلب والفرات ، وما يسامت ذلك من بلاد السّاحل ، وهذه الجهة تقابل الكعبة مشرقا عن أوسط مهبّ الجنوب قليلا . وأمّا وسط بلاد الشّام فإنّها دمشق وما قاربها ، وتقابل الكعبة على وسط مهبّ الجنوب ، وهذا هو سمت مدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مع ميل يسير عنه إلى ناحية المشرق . وأمّا مصر فإنّها تقابل الكعبة فيما بين الصّبا ومهبّ النّكباء التي بين الصّبا والجنوب . ولذلك لمّا اختلف هذان القطران - أعني مصر والشّام - في محاذاة الكعبة ، اختلفت محاريبهما . وعلى ذلك وضع الصّحابة - رضي اللّه عنهم - محاريب الشّام ومصر على اختلاف السّمتين . فأمّا مصر بعينها وضواحيها ، وما هو في حدّها أو على سمتها ، أو في البلاد الشّاميّة ، وما في حدّها أو على سمتها ، فإنّه لا يجوز فيها تصويب محرابين مختلفين اختلافا بيّنا . فإن تباعد القطر عن القطر بمسافة قريبة أو بعيدة ، وكان القطران على سمت واحد في محاذاة الكعبة ، لم يضرّ حينئذ تباعدهما ، ولا تختلف محاريبهما ، بل تكون محاريب كلّ قطر منهما على حدّ واحد وسمت واحد ، وذلك كمصر وبرقة وإفريقيّة وصقلّيّة والأندلس . فإنّ هذه البلاد ، وإن تباعد بعضها عن بعض ، فإنّها كلّها تقابل الكعبة على حدّ واحد ، وسمتها جميعها سمت مصر من غير اختلاف ألبتّة . وقد تبيّن بما تقرّر حال الأقطار المختلفة من الكعبة في وقوعها منها . وأمّا اختلاف محاريب مصر فإنّ له أسبابا : أحدها حمل كثير من النّاس قوله صلّى اللّه عليه وسلم - الذي رواه الحافظ أبو عيسى التّرمذي ، من حديث أبي هريرة - رضي اللّه عنه - « ما بين المشرق والمغرب