المقريزي
40
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
وإذا عرف ذلك ، فإنّه يستحيل تصويب محرابين مختلفين في قطر واحد إذا زاد اختلافهما على مقدار ما يتسامح به في التّيامن والتّياسر . وبيان ذلك أنّ كلّ قطر من أقطار الأرض ، كبلاد الشّام وديار مصر ونحوهما من الأقطار ، قطعة من الأرض واقعة في مقابلة جزء من الكعبة ، والكعبة تكون في جهة من جهات ذلك القطر . فإذا اختلف محرابان في قطر واحد ، فإنّا نتيقّن أنّ أحدهما صواب والآخر خطأ ؛ إلّا أن يكون القطر قريبا من مكّة ، وخطّته التي هو محدود بها متّسعة اتّساعا كثيرا يزيد على الجزء الذي يخصّه لو وزّعت الكعبة أجزاء متماثلة ، فإنّه حينئذ يجوز التّيامن والتّياسر في محاريبه . وذلك مثل بلاد البجة ، فإنّها على السّاحل الغربي من بحر القلزم ، ومكّة واقعة في شرقيها ، ليس بينهما إلّا مسافة البحر فقط وما بين جدّة ومكّة من البرّ . وخطّة بلاد البجة مع ذلك واسعة مستطيلة على السّاحل : أوّلها عيذاب ، وهي محاذية لمدينة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وتميل عنها في الجنوب ميلا قليلا ، والمدينة شاميّة عن مكّة بنحو عشرة أيّام . وآخر بلاد البجة من ناحية الجنوب سواكن ، وهي مائلة في ناحية الجنوب عن مكّة ميلا كثيرا . وهذا المقدار من طول بلاد البجة يزيد على الجزء الذي يخصّ هذه الخطّة من الأرض ، لو وزّعت الأرض أجزاء متساوية إلى الكعبة ، فيتعيّن - والحالة هذه - التّيامن أو التّياسر في طرفي هذه البلاد لطلب جهة الكعبة . وأمّا إذا بعد القطر عن الكعبة بعدا كثيرا ، فإنّه لا يضرّ اتّساع خطّته ، ولا يحتاج فيه إلى تيامن ولا تياسر لاتّساع الجزء الذي يخصّه من الأرض . فإنّ كلّ قطر منها له جزء يخصّه من الكعبة ، من أجل أنّ الكعبة من البلاد المعمورة كالكرة من الدّائرة ، فالأقطار كلّها في استقبال الكعبة محيطة بها كإحاطة الدّائرة بمركزها . وكلّ قطر فإنّه يتوجّه إلى الكعبة في جزء يخصّه . والأجزاء المنقسمة - إذا قدّرت الأرض كالدّائرة - فإنّها تتّسع عند المحيط ، وتتضايق عند المركز . فإذا كان القطر بعيدا عن الكعبة ، فإنّه يقع في متّسع الحدّ ، ولا يحتاج فيه إلى تيامن ولا تياسر ، بخلاف ما إذا قرب القطر من الكعبة فإنّه يقع في متضايق الجزء ، ويحتاج عند ذلك إلى تيامن أو تياسر . فإن فرضنا أنّ الواجب إصابة عين الكعبة في استقبال الصّلاة لمن بعد عن مكّة - وقد علمت ما في هذه المسألة من الاختلاف بين العلماء - فإنّه لا يتسامح في اختلاف المحاريب بأكثر من قدر التّيامن والتّياسر الذي لا يخرج عن حدّ الجهة ، فلو زاد الاختلاف حكم ببطلان أحد المحرابين ولابد ؛ اللّهمّ إلّا أن يكونا في قطرين بعيدين بعضهما من بعض ، وليسا على خطّ واحد من