المقريزي

23

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )

ممرقا ينزل منه إلى بيت المال ، وجعل للسّطح مطلعا « 1 » من الخزانة المستجدّة في ظهر المحراب الكبير ، وجعل له مطلعا آخر من الدّيوان الذي في رحبة أبي أيّوب . وفي شعبان من سنة خمس وأربعين وأربع مائة ، بنيت المئذنة التي فيما بين مئذنة عرفة والمئذنة الكبيرة ، على يد القاضي أبي عبد اللّه أحمد بن أبي زكريا « 2 » . انتهى ما ذكره القضاعي . وفي سنة أربع وستين وخمس مائة تمكّن الفرنج من ديار مصر وحكموا في القاهرة حكما جائرا ، وركبوا المسلمين بالأذى العظيم ، وتيقّنوا أنّه لا حامي للبلاد من أجل ضعف الدّولة ، وانكشفت لهم عورات النّاس . فجمع مرّى [ Amaury ] - ملك الفرنج - بالسّاحل جموعه ، واستجدّ قوما قوّى بهم عساكره ، وسار إلى القاهرة من بلبيس بعد أن أخذها ، وقتل كثيرا من أهلها . فأمر شاور بن مجير السّعدي - وهو يومئذ مستول على ديار مصر وزارة للعاضد - بإحراق مدينة مصر . فخرّج إليها في اليوم التاسع من صفر من السنة المذكورة عشرون ألف قارورة نفط وعشرة آلاف مشعل مضرمة بالنيران ، وفرّقت فيها . ونزل مرّى [ Amaury ] بجموع الفرنج على بركة الحبش ، فلمّا رأى دخان الحريق تحوّل من بركة الحبش ، ونزل على القاهرة ممّا يلي باب البرقيّة ، وقاتل أهل القاهرة وقد انحشر النّاس فيها . واستمرّت النّار في مصر أربعة وخمسين يوما ، والنّهّابة تهدم ما بها من المباني ، وتحفر لأخذ الخبايا إلى أن بلغ مرّى [ Amaury ] قدوم أسد الدّين شير كوه بعسكر من جهة الملك العادل نور الدّين محمود بن زنكي صاحب الشّام ، فرحل في سابع شهر ربيع الآخر من السنة المذكورة ، وتراجع المصريون شيئا بعد شيء إلى مصر ، وتشعّث الجامع « 3 » . فلمّا استبدّ السّلطان صلاح الدّين بمملكة مصر ، بعد موت العاضد ، جدّد الجامع العتيق بمصر في سنة ثمان وستين وخمس مائة ، وأعاد صدر الجامع والمحراب الكبير ، ورخّمه ورسم عليه اسمه ، وجعل من « ( a » سقاية قاعة الخطابة قصبة إلى السّطح يرتفق بها أهل السّطح ، وعمّر المنظرة التي تحت المئذنة الكبيرة وجعل لها سقاية ، وعمّر في كتف دار عمرو الصّغرى البحري ممّا يلي

--> ( a بولاق : في . ( 1 ) ابن دقماق : الانتصار 4 : 69 ، وانظر وصف ابن رستة لبيت المال بالجامع الكبير بفسطاط مصر في الأعلاق النفيسة 116 . ( 2 ) نفسه 4 : 69 . ( 3 ) انظر تفصيل ذلك فيما تقدم 2 : 142 - 146 .