المقريزي
24
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
الغربي قصبة أخرى إلى محاذاة السّطح ، وجعل لها ممشاة من السّطح إليها يرتفق بها أهل السّطح ، وعمّر غرفة السّاعات وحرّرت ؛ فلم تزل مستمرّة إلى أثناء أيّام الملك المعزّ عزّ الدّين أيبك التّركماني ، أوّل من ملك من المماليك ، وجدّد بياض الجامع ، وأزال شعثه ، وجلّى عمده ، وأصلح رخامه حتى صار جميعه مفروشا بالرّخام ، وليس في سائر أرضه شيء بغير رخام حتى تحت الحصر « 1 » . ولمّا تقلّد قاضي القضاة تاج الدّين عبد الوهّاب بن الأعزّ أبي القاسم خلف بن رشيد / الدّين محمود بن بدر المعروف بابن بنت الأعزّ العلائي الشّافعي « 2 » ، قضاء القضاة بالدّيار المصرية ونظر الأحباس في ولايته الثّانية أيّام الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري ، كشف الجامع بنفسه فوجد مؤخّره قد مال إلى بحريه ، ووجد سوره البحري قد مال ، وانقلب علوّه عن سمت سفله ، ورأى في سطح الجامع غرفا كثيرة محدثة ، وبعضها مزخرف . فهدم الجميع ، ولم يدع بالسّطح سوى غرفة المؤذّنين القديمة وثلاث خزائن لرؤساء المؤذّنين لا غير . وجمع أرباب الخيرة ، فاتّفق الرأي على إبطال جريان الماء إلى فوّارة الفسقيّة - وكان الماء يصل إليها من بحر النّيل - فأمر بإبطاله لما كان فيه من الضّرر على جدر الجامع ، وعمّر بغلات بالزّيادة البحرية تشدّ جدار الجامع البحري ، وزاد في عمد الزّيادة ما قوّى به البغلات المذكورة ، وسدّ شبّاكين كانا في الجدار المذكور ليتقوّى بذلك ، وأنفق المصروف على ذلك من مال الأحباس « 3 » . وخشي أن يتداعى الجامع كلّه إلى السّقوط ، فحدّث الصّاحب الوزير بهاء الدّين عليّ ابن محمد بن سليم بن حنّا في مفاوضة السّلطان في عمارة ذلك من بيت المال . فاجتمعا معا بالسّلطان الملك الظّاهر بيبرس ، وسألاه في ذلك ، فرسم بعمارة الجامع . فهدم الجدار البحري من مقدّم الجامع - وهو الجدار الذي فيه اللّوح الأخضر - وحطّ اللّوح ، وأزيلت العمد والقواصر العشر ، وعمّر الجدار المذكور ، وأعيدت العمد والقواصر كما كانت ، وزيد في العمد أربعة ، قرن بها أربعة ممّا هو تحت اللّوح الأخضر والصّفّ الثّاني منه ، وفصل اللّوح الأخضر أجزاء ، وجدّد غيره وأذهب ، وكتب عليه اسم السّلطان الملك الظّاهر ، وجلّيت العمد كلّها ، وبيّض الجامع بأسره - وذلك في شهر رجب سنة ستّ وستين وستّ مائة -
--> ( 1 ) ابن دقماق : الانتصار 4 : 69 . ( 2 ) انظر ترجمة عند ، ابن حجر : رفع الإصر 258 - 263 . ( 3 ) ابن دقماق : الانتصار 4 : 6 - 70 .